الصفحة 56 من 72

يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [1] .

وهذا في الأمراء الذين لم يبدلوا شرع الله ولا شرّعوا قوانين تحاد الله ورسوله وتهلك الحرث والنسل، وإنما خالفت أقوالهم أفعالهم، ويفعلون من المنكرات ما نهوا عن فعله وهؤلاء الذين قال فيهم العلماء: إن تغيير منكر الأمراء باليد لا يستلزم القتال، وقد نص أحمد على ذلك فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل ذلك جائزٌ [2] .

أما الحكام الذين يبدلون شرع الله ودينه ويحمون باطلهم وآلهتهم التي يدعون من دون الله بقضهم وقضيضهم فليس لهم إلا السيف مصلتًا، فمن تقاعس من المسلمين في ذلك أو شك فيه وثبط الآخرين عن القيام بواجبهم في جهادهم، فإنما هو مريض بالشرك إن كان يقرهم على ما هم فيه ويواليهم عليه، أو مريض بالذنوب إن كان يفعل ذلك ليلتمس العذر لنفسه ويدرأ تهمة الجبن والخور عن جبينه، أو يريد الركون إلى الحياة الدنيا ويسلم من الأذى وليس بناجٍ.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لبعض الناس: (لو صحَحْت لم تخف أحدًا) ، أي خوفك من المخلوق هو مرضٌ فيك، كمرض الشرك والذنوب [3] .

فعلينا مراجعة أنفسنا وكفى استهانة بدين الله وركونًا إلى الدنيا واستمساكًا بها، فعلام نحرص على حياة لم يعد لنا فيها وزن ولا كرامة، وعلام الطاعة لأقوام لم يرقبوا في دين الله عز وجل ولا أولياء الله إلاًّ ولا ذمة، فإن ضاقت على المسلم بقعة من الأرض لم يستطع أن يعبد الله فيها بحق وتكون كلمة الله فيها هي العليا فعليه بالهجرة"من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنون من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى {والرجز فاهجر} ، فإن لم يستطع وكان من المستضعفين فعليه الاعتزال في شعب من الشعاب أو في القرى أو البادية والهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها ... فهنا الهجر بمعنى التعزير، والتعزير يكون"

(1) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

(2) انظر جامع العلوم والحكم عند شرح حديث"من رأى منكم منكرًا فليغيره ...".

(3) الفتاوى 10/ 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت