الصفحة 19 من 46

فلابد للمفتي أن يفرق بين الحديث عن الحق في مجاله العلمي، وبين واقعه ومآل فتواه بعمل من الأعمال الشرعية، وهذا بعض معنى الذي قاله بعض أهل العلم من الموازنة بين الكليات والجزئيات كما نص على ذلك الامام الشاطبي رحمه الله تعالى.

فليس من الفقه ولا من الورع ولا من اتباع الهدي النبوي تضخيم السيئة في مجال مرتبتها وحكمها، وإن كان من الفقه ومن الورع ومن اتباع الهدي النبوي تضخيم السيئة والتنفير منها في مجال الدعوة والنصيحة والوعظ والارشاد، فمن سلك السبيل في الأولى فهو خارجي حروري، ومن سلك سبيل الثانية فهو على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويرجى له النجاة، ومن بررها وسماها دينا فهو على شفا هلكة.

ومن الانحراف والبدعة اعمال السبيل الثاني في الأول، أي تضخيم السيئة أكثر من واقعها في الحكم الشرعي، فلا يجوز تسمية ما ليس كفرا من المعاصي والكبائر بالكفر على جهة الاطلاق، وحمل أحكام الكفر الأكبر عليها بحجة تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لها بالكفر، كقوله صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"وغيرها من الأحاديث، ومن وقع في هذا الأمر فهو على دين الخوارج ولاشك.

وكثير من المبتدئين جاؤوا إلى عبارات التغليظ والتنفير في كلام العلماء في حق بعض المعاصي والذنوب والبدع فحملوها على معنى الكفر والشرك المخرج من الملة، فضلوا وأضلوا، وأفسدوا كلام أهل العلم، وهذا كله بسبب جهلهم بمراتب الألفاظ في الشريعة الإسلامية، وهو جهل كذلك بأصول الفقه الذي هو واجب على الفقيه والمفتي.

وقد وقع الكاتب في هذا كما سترى في نقله لكلام صاحب (العمدة في إعداد العدة) في الجهاد تحت أمراء من أهل البدع، إذ قال صاحب العمدة:"... ينبغي ..."فجعلها صاحب الكتاب من أركان الدين الذي يكفر مخالفه في عمله. (انظر فصل الديمقراطيين)

فلا اجتماع في الشرع بين الحق والباطل، ولا بين السنة والبدعة، لأن الحق الشرعي الوارد في الكتاب والسنة حق كله، والسنة نور كلها، لكن الاجتماع بينهما إنما هو في الطوائف والأفراد، فالافتاء بالباطل والسيئة والبدعة هو ادخال للباطل في الحق والبدعة في السنة، وهذا هو عين الضلال والقول على الله بغيرعلم.

ولكن بعض الناس لا يفعلون الحق والهدى والسنة إلا بنوع من الباطل والسيئة والبدعة، فحينها تعمل قاعدة تدافع الحسنات والسيئات، وقاعدة المصالح والمفاسد، فيسكت عن الباطل ولا يفتى به ولا يبرر ولا يشرع، ويسكت عن بيان الحق ولا يلغى ولا يصبح باطلا، وأغلب غلط الناس هذه الأيام في هذا الأمر، حيث يرون أن الحق محتاج إلى الباطل فيفتون بالباطل، ويرى بعضهم الباطل مقرونا بالحق فيسبون الحق ويحتقرونه، وكلاهما مبطل مفارق للطريقة النبوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت