"المنكر أبدا منكر".
قال المروزي في العلل: ذكر -أي أحمد بن حنبل- (الفوائد) ، فقال:"الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدا منكر"ص87. وهي كلمة جليلة والله ولا تصدر إلا ممن كان إماما في الخير.
نعم قيلت في الحديث النبوي وقواعده، ولكن لو تأملها طالب العلم لوجدها تعبر عما نحن فيه:
الضعيف يحتاج إليه في وقت.
المنكر أبدا منكر.
البدعة والسيئة في واقع العمل الاسلامي لا ينكر وجودهما إلا أعمى، فمن علم هدي الكتاب والسنة، وأبصر سبيل الهدي النبوي علم وقوع الطوائف والأفراد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في مستنقع البدعة والسيئة، ولا يجوز لمسلم أن يدافع عن الباطل أو يبرر وجوده، فالباطل باطل أبدا، كما أن المنكر منكر أبدا، ومن زعم أن الحق لا يمكن أن يستقيم له أمر في هذه الدنيا إلا بنوع من الباطل فهو مخطئ على الشريعة النبوية، فالحق لا يحتاج إلى الباطل، والهدى لا يحتاج إلى الضلالة، بل لا يتم أثر الحق والهدى إلا بالبراءة من الباطل والضلالة، وعلى المسلم دوما محاولة كشف البدعة والتنفير من السيئة ما استطاع لذلك سبيلا.
وقد وجد أقوام ظنوا أن الحق لا يثبت ولا يؤثر إلا إذا اقترن بنوع من أنواع الباطل، فأفتوا بهذا الباطل وقننوه وجعلوه دينا يتبع، وهؤلاء هم الذين يفسدون على أهل الإسلام دينهم، وما أتاهم هذا الشر إلا بسبب إعراضهم عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته معه ومن بعده، ولكثرة قراءتهم ودراستهم لكتب وتجارب أهل الباطل والكفر، فإنهم رأوا غلبة وقدرة لهؤلاء على تحصيل مقاصدهم، ثم نظروا نظرة أخرى إلى أهل الاسلام فرأوا ذلة وهزيمة وتأخرا في السير نحو أهدافهم، ففكروا وقدروا وخرجوا بهذا الاستنتاج:
أن الحق لا يمكن أن يثبت وجوده، ولا أن تقوم له قائمة إلا بشيء من الباطل، والمهادنة له أو الركون إليه.
وهم في الحقيقة عطلوا عمل الحق وأبطؤوا سيرة وأذهبوا عنه بعض قوته.
والفقه السليم في هذه المسألة:
أن الباطل والبدعة والسيئة لا يمكن بحال من الأحوال أن تبرر، أو أن تصبح حقا وهدى وسنة وحسنة، فمن أفتى بجواز الباطل والبدعة والسيئة بحجة حاجة الحق والصواب إليها، أو بحجة تمرير الحق من خلالها، أو بحجة خلاف العلماء حولها فهو مبطل هادم للشريعة علم ذلك أو لم يعلم.
لكن هناك فرق بين ما هو حق وباطل في المطلق، وبين واقع الحق ووجوده، ففي العصور المتأخرة عن صدر النبوة ابتعد الناس عن السنة والحسنة، وكثرت البدع والسيئات، وصار فيهم اختلاط بين السيئات والحسنات، وبين السنن والبدع، ولم يختلف أهل العلم بأن هؤلاء يشكر لهم حسناتهم وما فيهم من السنة، وتذم سيئاتهم وما فيهم من البدع، ومن رأى أن الطوائف والأفراد لا يقبلون إلا بحسنة مطلقة وبسنة صافية فقد خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصبر على ما يقع من أصحابه من أعمال غير شرعية ولا يطردهم من مجلسه ولا من طائفته ولا من مسمى أصحابه، ثم هذا علي رضي الله عنه دخل في جنده من قتلة عثمان رضي الله عنه الفساق، وكانوا هم أهل الشوكة والقوة، وكان يشكوا أمرهم للخارجين عليه -كطلحة والزبير رضي الله عنهما- الذين لم يكونوا يعذرونه بوجود هؤلاء الفساق في جنده، فقاتلوه وعادوه، يقول رضي الله عنه وهو البر الصادق في دينه: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما يشاؤون فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون؟ (الطبري/تاريخ الرسل،4/ 437) .
فمن الباطل السكوت عن الباطل وعدم انكاره، لكن كذلك من الباطل هو إزالة الحق وعدم اعتباره لوجود نوع من الباطل معه، ثم من الباطل كذلك تدمير الحق في طائفة من الطوائف وعدم الاعتراف به لوجود الباطل والسيئة فيهم (فإنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد من الحسنات وما يذم من السيئات، وما لا يذم من المباحات .. ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء والعلماء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران، فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى، وبعضهم يقتصر على ذكر مساوئه وذمه غلوا وهوى, ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيار الأمور أوسطها(التسعينية1032 - 1033") ."