تنبيه (1)
سلخ كاتب"كشف شبهات المقاتلين .."من كتاب الجامع مبحث أولية الجهاد ومتى شرع فقال تحت عنوان:"بدء شرع الجهاد وختامه .."
"ولم يشرع الجهاد بمعنى قتال الكفار إلا في شريعة موسى عليه السلام بعد هلاك فرعون .."
ولو تأملت كلامه لا تجد فيه دليلا بينا على هذا الاستنتاج، ولعل صاحب الجامع رأى ما تفسير ابن كثير عند قوله تعالى:"ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون"القصص/43.
حيث قال الإمام وغيره كابن حبان الأندلسي: إنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين.
ثم ذكر الحديث الموقوف على أبي سعيد وفيه: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا في الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى ثم قرأ .."ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى .."
وليس في هذا الكلام أي دلالة لهذه الأمة على ابتداء مشروعية الجهاد لمن تأمله حق تأمله.
ولقد راجعت أمهات كتب التفسير المشهورة والمعلومة فلم أر واحدا من أهل العلم استدل بهذه الآية بما استدل بها صاحب الجامع ثم قلده الكاتب في هذه الدعوى وسلخ كلامه دون تحقيق.
فذكرها من باب التكثير الذي لا دليل عليه ولا ضرورة له، والله أعلم بما في الصدور.
تنبيه (2)
حيث منعت قواعد أهل العلم التكفير البدعي الذي وقع فيه كاتب هذا الكتاب (كشف شبهات المقاتلين .. ) فإنه لا يعني جواز القتال مع المبتدعة في كل حال، وورقاتي هذه لا تبحث في هذا الشأن (أقصد شأن القتال) إنما تتحدث عن رد حكم التكفير البدعي عن طوائف من أهل البدع, وضرورة إعمال القواعد الشرعية التفصيلية في الأحكام، وقتال المرتدين في الجملة جائز تحت راية أهل البدع ما لم يكفروا مثلهم، وهذا له شأن آخر، فالورقات هذه لا يجوز أن ينسب لها القول بجواز القتال مع طائفة من الطوائف إلا ما كانت هذه الطوائف على الإسلام ومخالفوها على الردة والكفر، وهي مسألة تبحث على حدة من غير تعميم.
تنبيه (3)
لميل الكاتب إلى الغلو، واستعاره في نفسه، فإنه وقع في موبقة عظيمة من جهة الأمانة والالتزام الخلقي، حيث نقل نقلا مبتورا ناقصا عن الآخرين أفسد به كلامهم، وإليك الدليل:
قال الكاتب (ص/41) نقلا عن كتاب أبي محمد المقدسي (فك الله أسره من سجون الطواغيت) تحت عنوان: الرد على شبهة"من كفر مسلما فقد كفر":
ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة أن من كفرنا أو كفر غيرنا من الموحدين المسلمين بغضا لهم ولتوحيدهم وبراءتهم من الطواغيت وسمى دينهم دين الخوارج نصرة لأعداء التوحيد على الموحدين، بأنه كافر استدلالا بهذا الحديث لكان ذلك حقا لا مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله لأن ذلك كفر دون شك"انتهى نقله."
وكلام أبي محمد في كتابه المذكور هو التالي:
"ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة أن من كفرنا أو كفر غيرنا من الموحدين المسلمين بغضا له ولتوحيده وبراءته من الطواغيت، وسمى دينه دين الخوارج نصرة لأعداء التوحيد من الطواغيت، ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم بأنه هو الكافر استدلالا بهذا الحديث لكان ذلك حقا لا مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله".
والآن يقال لهذا الكاتب:
أين ذهبت عبارة"ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم"؟
أم تظن أن قولك في الهامش:"بتصرف يسير"يكون لك العذر بإسقاط هذه الكلمة المهمة؟
إن كنت تظن أن هذه الكلمة لا أهمية لها فهي والله الباقعة، وهي الطامة العظيمة، وتصرفك بكلام الشيخ حمد بن عتيق وبكلام أبي محمد المقدسي على هذا المنوال يدل على أن الألفاظ العلمية لا خبرة لك فيها، وأن تحقيق المعاني بينك وبينه قفار ومفاوز، ومن كان هذا حاله وجب عليه أن لا يتكلم في أخطر القضايا وأعوص المسائل، هذا إن اتقى ربه وخشي يوم اللقاء.
ثم إن التصرف في كلام الناس بما يفسد المعنى جريمة في حقهم لعدم نقلها على وجهها الصحيح، وجريمة في حق القارئ لما في ذلك من التغرير به والتلبيس عليه.