تابع الكاتب بعض أهل العلم من المعاصرين في أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا عملا مكفرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مروا على سدرة للمشركين يعلقون بها أسلحتهم، فقال الكاتب (ص37) :
"في الحقيقة أن مجرد الطلب شرك (أي طلب الصحابة رضي الله عنهم) بدليل قوله صلى الله عليه وسلم للطالبين: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل اجعل لنا إلها"وهذا هو الشرك.
ثم أحال إلى الجامع في طلب العلم الشريف (ص360) .
وصاحب الكتاب ينقل من الجامع في طلب العلم الشريف ومن العمدة في إعداد العدة (لعبد القادر بن عبد العزيز) نقل المسلم له في ما يقوله دون تمحيص، بل عنده هذان الكتابان يقومان مقام الأدلة، فإنه بعد أن يقول الحكم الذي يريده يحيل القاريء إلى ما في الجامع أو العمدة، وهذا هو من تمام الجهل، فإن المفتي والحاكم في هذه النوازل لا يجوز أن يكون مقلدا لكتب المتأخرين، غير بصير بكتب السلف ولا مذاهبهم، وهو يظن أنه بمجرد ذكر الآية أو الحديث بعد القول الذي يقوله صاحب الكتابين يجعله على الاصابة بلا تردد، وهذا أراه كثيرا الآن من الصغار والمبتدئين، ويفتون بما فيهما، وإنما وقعوا في هذا بسبب جهلهم بمدارك الأحكام، وبكلام أهل العلم السابقين.
وابن باز ممن قال بهذا القول في تعليقه على فتح المجيد، ولم يقبل كلام محمد بن عبد الوهاب في أن ما طلبوه معصية وليست كفرا وقال:
ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر" (هامش فتح المجيد ص141) ."
يقول أبو قتادة:
وهذا القول من أفسد ما يعرف من الأقوال المنسوبة لأهل العلم، وإنه من الجهل بحال الصحابة رضي الله عنهم في أن يقال عنهم أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفروا، أو أن ما طلبوا هو الكفر.
وهؤلاء لو تأملوا يسيرا لعلموا أنه لو كان هذا شركا لاستتابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن قولهم هذا لا سلف لهم فيه، بل كلام أهل العلم في تفسير الحديث على الضد من هذا القول.
تحقيق المسألة:
الحديث: قال أبو واقد الليثي: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون"لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الإمام الترمذي في سننه وصححه، والامام أحمد في مسنده وغيرهما."
وخطأ القائلين بأن ما طلبه الصحابة كفرا هو عدم اعتنائهم بالقاعدتين اللتين تقدمتا في هذا البحث.
وإليك كيف هي طريقتهم في الوصول الى فهمهم السقيم:
قالوا: ذات أنواط وثن.
وطلب البركة من الوثن شرك.
إذا: من طلب البركة من ذات أنواط فهو مشرك.
ثم انهم بعد ذلك تكرموا واعذروهم بالجهل لأن الحديث فيه كما تقدم-حديثو عهد بكفر-.
وهذا غلط شنيع وإن قاله بعض الفضلاء وإليك البيان:
في سنن ابن ماجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مدمن الخمر كعابد وثن"وسنده حسن.
فهل يعني هذا أن مدمن الخمر مشرك؟
الجواب: لا.
وسب ذلك أن المشابهة لا تستلزم المطابقة التي تستلزم الحكم الغائي للمشبه به، ولفهم هذا الكلام انظر القاعدة الثانية في المقدمات.
وإليك أقوال السابقين من العلماء في فهم الحديث:
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه. (الاعتصام2/ 246) .
وتأمل كلمة الإمام الشاطبي:"لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه، ما لم ينص عليه مثله من كل وجه."
والشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد قال بعد أن ساق الحديث السابق وذكر محاسن الباب صار إلى قوله الى الحسنة التالية: الحادي عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا.
فقد جعل طلبهم من الكفر الأصغر كما هو واضح.
وفي الفائدة الرابعة عشر جعل علة المنع من باب سد الذرائع، فارجع اليها هناك لتراها.