هناك طريقتان للرد في كتب الأئمة:
أولاهما: أن تتعقب الكتاب فقرة فقرة، وتعالجه جملة جملة، وكلمة كلمة منفردة عن بقيتها دون النظر إلى منهجية الكتاب التي صاغته إلا لماما، وهذه الطريقة هي الأشهر والأكثر انتشارا في كتب الردود والمناقشة عند الأئمة كما ترى ذلك في كتب ردود المتقدمين، وهذا بين لمن قرأ كتاب منهاج السنة لابن تيمية مثلا وكتبه الأخرى كالرد على البكري والرد على الإخنائي، أو قرأ الصارم المنكي في الرد على السبكي لابن عبد الهادي، وكتب أئمة الدعوة النجدية وغيرهم.
ثانيهما: معالجة منهجية الكتاب، والرد على أصوله التي بني عليها، وهذه الطريقة وإن كانت الأقل انتشارا إلا أني سرت فيها لأسباب أهمها:
إن كاتب"كشف شبهات المقاتلين .."اعتمد على أصول صحيحة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، لكن خطأه أنه حملها على غير محملها، وأنزلها على وقائع دون مراعاة بين الواقع الخاص واللفظ العام، فسيرى القارئ مثلا موضوع القبور كيف عمم الأحكام على القضايا المختلفة والمتباينة، فهل يرد عليه بقولنا: إن بناء القباب حلال وليس حراما؟ أم ببيان مرتبة بناء القباب على القبور، وأنها ليست من الكفر الأكبر، بل هي معصية من الكبائر وحسب.
وقل كذلك مثل هذا في موضوع الديمقراطية والديمقراطيين.
فكان معالجة الأصول المنهجية التي اعتمد عليها الكتاب هو الأسلم عندي لأنه يحقق مقصد الرد إن شاء الله كما يتبين من التالي:
لقد عشت مع الدعوة أكثر من عشرين عاما، ورأيت أن علة أخطاء المفتين والكاتبين هي في طريقة معالجة النص الشرعي وليس الجهل (والذي هو ضد المعرفة) بالنص الشرعي، ولما وقعت الفتنة بين أهل الرأي وأهل الحديث في القرون الأولى من عهود الإسلام، وكان البحث يدور حول الفروع، وكانت المناظرات بين أهل الاسلام لا تعدوها، أدرك الإمام محمد بن ادريس الشافعي -رضي الله عنه ورحمه الله تعالى- أن المشكلة ليست في معرفة هذه الفئة للحديث وغيابه عند الفئة الأخرى، لكن المشكلة هي في الأصول المنهجية لتفسير كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألف لمعالجة هذه المشكلة القائمة بين الفئتين كتابه الممتع"الرسالة"، وفصل فيه طريقة معالجة النص الشرعي, وكذلك ذكر ما يصلح من أدلة وما لا يصلح، والمشكلة الى يومنا هذا ما زالت في الأصول قائمة.
وأصول الفقه التي ضيعت هي التي قال عنها ابن خلدون: من أعظم العلوم الشرعية، وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة. (المقدمة453)
وقد خبر كل من عانى الفتوى والنظر إلى المختلفين اليوم أن ضعف الناس في أصول الفقه وقواعد أهل العلم وأصولهم في الفتوى سمة بارزة، وهي علة العلل اليوم، وهذا الضعف سببه أن أصول الفقه تحتاج الى معاناة ودربة وملكة، والنفوس ألفت الخمول والدعة، ومالت الى أعمال الكتبة والنقلة كما يقوم بها اليوم الكثير من الزاعمين للتحقيق والتأليف"والآخذين من ها هنا ومن ها هنا ثم يقول ألفته أنا"وهؤلاء ملؤوا السهل والواد، وازداد شرهم حين يأنف الواحد منهم أن ينسب القول والفكرة لصاحبها، بل يزعم أنه ابن بكارتها وعذريتها وهو في الحقيقة سارق لص، لكنه متبجح صاحب دعوى عريضة، فلا يخجل من الله ولا من الناس.
أعود الى ضعف الناس في أصول، فأقول:
لما كانت أصول الفقه ملكة ودربة تحتاج الى طول مراس ومعاناة فقد أعرضت ومالت النفوس عنه، بل صار بعضهم الى القدح والطعن فيه بحجة أنه علم كلامي، وقولهم صحيح من وجه لكن هذا لا يعفيهم من المسؤولية في تعلمه وفقهه، بل هو في الحقيقة يزيد من المسؤولية على أهل العلم وطلبته كذلك (إن كانوا كذلك) ، فإن اختلاط هذا العلم بعلم الكلام أمر لا يمنع من تحرير فوائده ومعرفة مباحثه، ومن جهله فليس له أن يعدوه ويتكلم في دين الله بدون الإحاطة له، وبما يلزمه في الفتوى والترجيح والاجتهاد في دين الله تعالى.