الصفحة 11 من 46

وحين يتكلم أهل العلم عن أهمية أصول الفقه، فإنهم لا يعنون ما صار اليه في كتب المعاصرين من الكلام على مصطلحات علم أصول الفقه، ففرق بين ادراك العلم وبين معرفة مصطلحاته، إذ معرفة المصطلحات هي أول الطريق، ويتعلمها صغار الطلبة، وهي أشبه بمعرفة المبضع وأدوات الجراحة عند الطبيب، و معرفة هذه لا تجعله طبيبا، وهكذا معرفة معنى مصطلحات علم أصول الفقه، فإنها هي كمعرفة مصطلحات أصول الحديث، فهل معرفتها تجعل المرء حديثيا؟

هذا لا يقول به طالب علم.

وههنا عندي قصتان:

أولاهما: شيخ من شيوخ الفتوى المشهورين بين الناس، ويفزع الناس إليه في النوازل والأحداث الجسام، ومع ذلك يعترف في شريط له أنه لم يقرأ في أصول الفقه إلا"مذكرة أصول الفقه"للشنقيطي رحمه الله، ويقول مفتخرا وجاعلا أصول الفقه ما يقابل الكتاب والسنة:"أنا ما قرأت في أصول الفقه الا مذكرة الشنقيطي رحمه الله، على كل الذي أنصح به أن هذه الأصول نفسها ما يعارض بها الكتاب والسنة".

وكما ترون فإن الشيخ -غفر الله له- ظن أن أصول الفقه أدلة للحكم وليست قواعد لفهم أدلة الحكم، حيث جعلها تقابل النص.

ثانيهم: كنت مع بعضهم في نقاش حول مسألة تتعلق في دلالة لفظ شرعي، فقدمت مقدمة على دلالة الألفاظ، وما هي استعمالات الأئمة لها، من أجل أن أبين له أن الألفاظ ليس مجردة عن المعاني، فقد كان يريد أن يجرد لفظا شرعيا"وهو الخلافة"من محتواه، ويجعله مجرد اسم فقط على معنى هزيل، وفجأة قال المخالف: وهل الذي تقوله دليل في دين الله تعالى؟

فعلمت أنه لا يعرف أصول العلوم، وإلا لما قال هذا القول.

فالعلة هي هي ما زالت قائمة، منذ القديم والى يومنا هذا.

ماهي علة الإنحراف عند الخوارج وسبب فسادهم؟

ماهي العلة في المرجئة؟

ماهي العلة في الفتاوى المتسيبة؟

ماهي العلة في الفقه المنحرف؟

لو فقهت لعلمت أنها كلها تعود إلى الأصول المنهجية عند كل فرقة وطائفة.

وفي عصرنا هذا نعيش نفس الموضوع، ويعاني الناس نفس القضية الأولى، ولفهم هذا إليك القضية في واقعها المعاصر مع مثل صاحب كتاب (كشف شبهات .. ) :-

منذ مدة صار حديث واسع عن التوحيد، وحكم الله تعالى في الطوائف الحاكمة، وحكم الناس تحتهم، وفصل بعض أهل العلم في هذه الأحكام، وكثرت الخصومات في هذه الأبواب بين المختلفين، قد وجد إخوة أحبة من الشباب هداهم الله تعالى إلى معرفة التوحيد وأركانه، من توحيد الولاء والبراء، وتوحيد العبادة في النسك، وتوحيد العبادة في الحكم والتشريع، وهداهم الله تعالى إلى البراءة من الطواغيت، فكفروا بما يعبد من دون الله تعالى، وهذا كله من نعم الله تعالى، لكنهم وقعوا في محظور يتعلق بأحكامهم على الوقائع والنوازل، هذا المحظور ليس في غياب نصوص شرعية عنهم، ولكن في منهجهم في الحكم على الأحداث والوقائع.

ظن هؤلاء الشباب -هداني الله وإياهم- أن معرفة التوحيد كافية للفتوى في كل نازلة وواقعة، فقد فهموا أن الولاء لله إيمان، والولاء للكفار كفر، فما من عمل فيه ولاء لله وللمؤمنين إلا وهو إيمان، وما من عمل فيه ولاء للكفار إلا وهو كفر، وهي قاعدة صحيحة ولا شك فيها، ولا ينازع فيها الا محجوج بالكتاب والسنة.

والفتوى لا تكفيها القاعدة العامة، والكلام في النوازل لا يصلح مع العمومات، يقول سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى: أجرأ الناس على الفتوى أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم فيظن أن الحق كله فيه.

لكن لجهلهم بكتب الفقه، وعدم قراءتهم فيها، وقلة اطلاعهم عليها، إذ جل قراءتهم لكتب التوحيد فقط كفتح المجيد لعبد الرحمن آل الشيخ وكتاب الايمان لابن تيمية وما ألف بعد ذلك من كتب المتاخرين ككتاب الجامع في طلب العلم الشريف لعبد القادر بن عبد العزيز ومثلها، فانهم لم يروا الإيمان إلا مرتبة واحدة في الحكم -وإن قالوا بألسنتهم أن الإيمان يزيد وينقص-، وأن الكفر مرتبة واحدة في الحكم -وإن قالوا بألسنتهم أن الكفر مراتب متعددة-، فحيث رأوا عملا من الولاء لغير الله سموه كفرا، ثم حكموا على فاعله بالردة والكفر، دون النظر لمرتبة هذا العمل في دين الله تعالى، وكتب التوحيد التي تتكلم عن الولاء والبراء لا تفصل في هذا، لأن التفصيل مكانه في كتب الفقهاء.

وقل مثل ذلك في توحيد النسك، وكذلك توحيد الحكم والتشريع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت