هذه هي علة خطأ هؤلاء الشباب، فهم يتعاملون مع القواعد دون النظر للحكم الخاص في المسألة، ويعممون الأحكام بهذه الطريقة.
هذا طرف يقابل الطرف المتحلل الآخر الذي يتعامل مع القواعد الفقهية ويفتي بها دون النظر للحكم الخاص في المسألة الخاصة، ويجعلون القواعد الفقهية أدلة للمسائل الشرعية، وبالتالي هؤلاء يتعاملون مع قضايا التوحيد الذي يضاد الاسلام من كل وجه بأحكام الاسلام الخمسة.
طرف يرى أن جميع الأعمال تدخل في أمرين اثنين غائيين لا وسطية فيها: توحيد أو كفر.
وطرف يرى أن جميع الأعمال تدخل في مجال الوسط الذي لا غائية فيه فلا تكفير ولا توحيد.
هذه هي الحال بين طائفتي الافراط والتفريط.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟
قالوا: بلى.
قال: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه. ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولات علم ليس فيه تفهم، ولا قراءة ليس فيها تدبر (ابطال الحيل لابن بطة، وروي مرفوعا ولا يصح)
ولذلك كنت أقول للإخوة الشباب: إن الفتوى لا تكفيها القاعدة العامة، بل لابد من معرفة الجزئيات، فمعرفتك بحقيقة الإيمان والكفر لا تكفيك للفتوى في النازلة والحادثة، بل لابد من معرفة ما كتبه الأئمة من مسائل في كتب الفقه التي تمثل الجزئيات.
في كتب التوحيد كلام عن القبور، وعن عبادتها، وعن بنائها، وعن التبرك بها، وعن الدعاء عندها، وعن شد الرحال إليها، فبعضها يدخل في التوحيد والذي ضده الشرك والكفر، وبعضها يدخل في التوحيد لأن ضدها وسيلة إلى الشرك والكفر، وبعضها يدخل في التوحيد لأن ضدها سمة من سمات الشرك والكفر، وبعضها يدخل في التوحيد فضدها يثبت حكم الحرمة له، لكن الشاب المبتدئ- وكذا غير الشاب لكنه مبتدئ- لا يعرف إلا طرفين ولا وسط بينهما.
في كتب التوحيد كلام عن الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن:
البدعة حكم بغير ما أنزل الله، (كما قال الامام الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام) .- -المعصية مطلقا حكم بغير ما أنزل الله، (لأن العمل حكم كما قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالىفي الفصل"3/ 234"، لكن يدخل في حكمه دخولا جزئيا، وهذا ما لم يفهمه الخوارج ولا المرجئة ففسروا قوله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"بأحد شقيها دون الآخر)
فكيف نفرق بين حكم وحكم مع دخولهما جميعا في الحكم بغير ما أنزل الله؟
هذا لا يفهمه المبتدئ، وبالتالي لا يجوز له الفتوى ولا الحكم في النوازل.
من أجل هذا رأيت أن أناقش الكتاب في منهجيته، وأرجو من الله تعالى أن أصيب وأوفق. ثم إنه ليس من قصدي اثبات جهل أحد، ولا كشف ستر الله على أحد، ولكن أردت أن أنبه على قضايا لأهميتها لرجال الهدى وشباب الإسلام في هذه الأيام، وهذا الكتاب"كشف شبهات ..."نموذج للتنبيه على هذه القضايا، وهي عندي مهمة جدا، وبيانها يعادل بيان ضلال المتحللين من المشايخ والفقهاء الذي فتحوا باب المعصية تحت دعوى التيسير ورفع الحرج، فالتشدد والتحلل كلاهما ضلال منهي عنه، وكما أن التشدد يتقنه كل أحد، فكذلك التسهيل والترخيص يتقنه كل أحد.
ثم ان تعقب الكتاب كلمة كلمة يضخم الكتاب فيصبح الكتاب كتابين: الأصلي والرد، وهذا ما لا أريده، لان قصر الكتاب على أصول ومنهج الكتاب توفر على القاريء الجهد، وتعرفه موطن الخلل بأيسر طريقة.
أسأل الله تعالى القبول والسداد، وأن ينفع بهذا الكتاب كاتبه وقارئه.
آمين آمين