الصفحة 37 من 46

جعل الكاتب المصلحة الشرعية هي الاستحسان الذي نهى العلماء عنه، والذي سماه الشافعي رحمه الله تعالى"التلذد"وجعله تشريعا.

والكاتب جعل القتال تحت راية شركية كفرية عملا كفريا كما هو بين في كلامه، وحينها لم يجعل المصلحة تدخل في ذلك.

وقد بينت في نقل كلام أهل العلم تحت حديث الزبير رضي الله عنه ودعوى قتاله مع النجاشي رضي الله عنه أن المسألة من مسائل الخلاف القديم وأن ادخالها في أصول الدين خطأ على دين الله تعالى.

والعمل بالمصلحة الشرعية ليس هو الاستحسان الذي نهى عنه الشافعي رحمه الله تعالى.

فالاستحسان عند أهله"وهم الحنفية ومعهم بعض أهل الأصول"هو نوعان:

-العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولا لآرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى:"متاعا بالمعروف حقا على المحسنين"أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي، وكذلك قوله تعالى:"وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف"ولا يظن بأحد من الفقهاء يخالف في هذا النوع من الاستحسان.

-والنوع الثاني: هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل انعام التأمل فيه، وبعد انعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة، وبالتالي العمل به هو الواجب، فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنا لقوة دليله (أصول السرخسي2/ 200) .

وبعضهم عمم القسم الثاني، فلم يجعل الاستحسان هو العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي لقرينة فقط؛ لكن جعله عدول عن دليل قوي إلى دليل أقوى منه مطلقا. (انظر تيسير التحرير للأمير باشاده4/ 87 ومابعدها) .

والاستحسان الفاسد هو العدول عن دليل شرعي معتبر إلى دليل الهوى والشهوة، وهو الرأي المجرد، وهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وأنكره الحنفية وردوا علىمن اتهمهم به.

لكن عاب أهل الفقه على الحنفية أمورا منها:

-العدول عن حديث الاحاد إلى القياس بحجة أن حديث الآحاد:

(1) رواه غير فقيه.

(2) يخالف القياس.

-العدول عن الخاص إلى العام، ودعواهم أن العام أقوى.

وأما القول بمجرد الرأي فهو قول لا ينسب لمسلم بله فقيه وأصولي وعالم (انظر إلى كفر من قال بهذا القول في المستصفى) .

والذين أبطلوا الاستحسان من الأصوليين، ردوا على الحنفية من وجوه:

أ- قال الشافعي: وهذا يبين أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان، إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر (من الكتاب والسنة) عين يتأخى معناها المجتهد ليصيبه، كما البيت يتآخاه من غاب عنه ليصيبه، أو قصده بالقياس، وأن ليس لأحد أن يقول إلا من جهة الاجتهاد، والاجتهاد ما وصفت من طلب الحق، فهل تجيز أنت أن يقول الرجل استحسن، بغير قياس (فقرة1456/الرسالة) .

فجعل الامام الشافعي رحمه الله الاستحسان مقابل الخبر، ومقابل الاجتهاد.

وقال في ابطال الاستحسان: أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة ليس فيها خبر ولا قياس وقال: استحسن، فلابد أن يزعم أن جائزا لغيره أن يستحسن خلافه، فيقول كل حاكم في بلد ومفت بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا، فإن كان هذا جائزا عندهم فقد أهملوا أنفسهم فحكموا حيث شاؤوا. (الأم7/ 289) .

قال الرازي في المحصول (6/ 124) : ومخالفوهم أنكروا ذلك عليهم لظنهم أنهم يعنون به الحكم من غير دليل.

ب- زعم بعض الحنفية أن الاستحسان هو:"دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته، فلا يقدر على اظهاره". (المستصفى ص249ابن الحاجب في مختصر المنتهى388/الإحكام للآمدي3/) 136.

قال الغزالي: وهذا هوس، لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم أو خيال أو تحقيق، ولابد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه الأدلة أو تزيفه، أما الحكم بما لا يدري ما هو فمن أين يعلم جوازه.

وقال الشاطبي في هذا التعريف: إنه لو فتح هذا الباب لبطلت الحجج، وادعى كل من شاء ما شاء، واكتفى بمجرد القول، فألجأ الخصم إلى الابطال، وهذا يجر فسادا لا خفاء فيه". (الاعتصام2/ 130) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت