الصفحة 38 من 46

وردوا عليهم على ما قالوه في معنى الاستحسان السابق: هو تخصيصه بالذكر، لأن حقيقته لا تنكر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ.

قال ابن حاجب: إنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه.

إذا الاستحسان الذي تكلم العلماء بذمه هو التشهي والتلذذ، وهو القول في دين الله تعالى بغير دليل، وأما العمل بالاستحسان في الأصول فهو ما لا ينكر بضابطه.

يقول السعد في التلويح على التوضيح (2/ 82) :"ولما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان، مع أنه قد يطلق لغة على ما يهواه الانسان ويميل إليه وإن كان مستقيما عند الغير، وكثر استعماله في مقابلة القياس على الاطلاق، كان انكار العمل به عند الجهل بمعناه مستحسنا حتى يتبين المراد منه، إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه."

وهذا الكاتب أتى إلى لفظ الاستحسان وأنزله على المصلحة دون تفصيل كما هو سبيله في كتابه هذا كله.

فهل المصلحة دليل يعمل به؟ وما هو ضابطها؟

لقد صار لفظ المصلحة اليوم لفظا شائعا، يستخدمه المحق والمبطل، ولما رأى من لا خبرة له بكلام أهل العلم استخدام أقوام من المتحللين من الشريعة لهذا اللفظ كلما أرادوا أن يبطلوا حكما شرعيا فإنهم كرهوا هذا اللفظ وصاروا ينفرون منه ويسبونه، والواجب في هذه الألفاظ أن تبين وتفصل، حتى يظهر وجه الحق منها ووجه الباطل فيها، لا أن ترد بالكلية أو تقبل بالكلية، وهذا هو دين الله تعالى في كل الألفاظ الحادثة.

معنى الاستصلاح أو المصلحة أو المناسب.

يقسم بعض أهل الأصول المصلحة إلى ثلاث أقسام:

-قسم شهد الشرع باعتبارها.

-قسم شهد الشرع ببطلانها.

-قسم لم يشهد الشرع باعتبارها أو ببطلانها.

والحقيقة أن القسم الثالث لا وجود له عند التحقيق، ولذلك الخلاف حولها (أي المصلحة المرسلة) خلاف لا ضرورة له اذا تأملها المرء.

يقول ابن تيمية (11/ 345) :"الطريق السابع: المصالح المرسلة: وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه: فهذه الطريق فيها خلاف مشهور."

فالفقهاء يسمونها"المصالح المرسلة". ومنهم من يسميها الرأي. وبعضهم يقرب إليها الاستحسان.

وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم والهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذقون طعم ثمرته، وهذه مصلحة.

ولكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين.

وجلب المنفعة يكون في الدنيا؛ ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي.

وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي.

فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقد قصر.

وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم.

وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل.

وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه. وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص.

وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستجبات، أو وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه.

وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والاجماع على اعتبارها.

وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا.

والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله غالبا.

وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن الاستحسان طلب الحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسنا كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا، والحسن هو المصلحة، فالاستحسان والاستصلاح متقاربان، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق.

والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل الدين، وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة ألا وقد حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت