قال الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام (1/ 220) :
إلا أن أهل البدع لم يبلغوا مبلغ الناظرين في الأدلة بإطلاق:
-إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها.
-وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية.
-وإما لعدم الأمرين جميعًا.
يقول أبو قتادة الفقير: ولغلط أكثر أهل البدع والمجتهدين فيهما، ولقيمة هذين الأمرين:
1 -أهمية معرفة معنى الدليل ومرتبته.
2 -أهمية معرفة مراتب الألفاظ.
فقد قدمت في بيانهما شيئا يسيرا في مقدمتين.
وقبل الكلام على المقدمتين فلا بد من التنبيه الى أهمية أدوات العلم، فالعلم من الكتاب والسنة لا يصلح من غير أدواته، فإن حال الجاهل بهذه الأدوات مع الكتاب والسنة كحال المتطبب الجاهل الذي يعالج الناس بأدوية صحيحة لكنه لا يضعها موضعها، ولذلك كان العلم بالأدوات واجبا، وهؤلاء أصحاب رسول الله تعالى نقل عنهم هذا، ونبه أهل العلم الى ضرورته، قال أبواسماعيل الهروي في ذم علم الكلام: ورأيت منهم (أهل البدع) قوما يجتهدون في قراءة القرآن، وتحفظ حروفه، والإكثار من ختمه، ثم اعتقاد فيه ما قد بيناه، اجتهاد روغان كالخوارج ..
ثم روى باسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: إنا آمنا ولم نقرأ القرآن وسيجيء أقوام يقرؤون القرآن لا يؤمنون.
ثم قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن (حديث رقم/1457) .
وروى عن ابن عمر رضي الله عنها قوله: إنا كنا صدور هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحيهم ما يقيم الا سورة من القرآن أو ما أشبه ذلك، وكان القرآن ثقل عليهم، ورزقوا علما به معملا، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئا (حديث رقم/1457) .
والآن الى المقدمتين:
المقدمة الأولى:
بيان معنى الدليل ومرتبته:
كثر طلب الشباب المتدين للدليل في المسائل الشرعية، وهذه ظاهرة صحية طيبة وعظيمة، لأنها تنبىء عن وجود نفسية علمية تترفع عن التقليد المذموم، وما من شك أن كل عاقل يدعو إلى عدم قبول قول إلا بدليله، ولكن يخطىء بعض المبتدئين في هذه المسألة من جهتين:
الأولى:- عدم معرفتهم بمراتب الأدلة، وكيفية دخول الحادثة في الدليل، فإنهم لعدم معرفتهم بعلم الأصول وهو داءٌ قديم كما نبه عليه الخطيب البغدادي في"الفقيه والمتفقه"وفي شرف أصحاب الحديث، وابن قتيبة في مقدمة مختلف الحديث، والرامهرمزي في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وكذلك أبو سليمان الخطابي في"معالم السُّنن" (1/ 75) وابن الجوزي وغيرهم، وقال ابن المديني: التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم (الجامع للخطيب2/ 211) فإن هؤلاء الشباب يظنون أن كل المسائل هي على درجة واحدة في بيان الحكم الشرعي لها، ولمعرفة خطئهم
فلابد من معرفة جنس الأدلة، وكذلك مراتب الأدلة.
معنى الدليل:
الدليل يطلق في اللغة على ما يستدل به، فهو بمعنى المرشد عن الشيء، والكاشف له، كما يطلق على الدال نفسه الذي نصب الدليل.
وفي الإصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه الى المطلوب الخبري.
يقول ابن تيمية في أهمية علم الأصول ومعرفة الادلة:
"والعلم شيئان إما نقلٌ مصدق، وإما بحثٌ محقق، ما سوى ذلك فهذيان مسروق ..."
ويقول: فلا يتحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل.
ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح إذا تعارض الدليلان.
ولهذا كان أصول الفقه مقصوده: معرفة الأدلة الشرعية، جنس الدليل ومرتبة الدليل ...
وقد قيل إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب، وهذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان -لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبق إليها عالم، ولا معه فيها نقلٌ عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين ... الخ". (الإستغاثة الكبرى أو الرد على البكري1/ 628 - 629) ."
ويقول رحمه الله في بيان ما يحتاجه العالم والمناظر من المجتهدين:-