الصفحة 42 من 46

أفرد الكاتب فصلا كاملا عنوانه ب: (بطلان استنباط أحكام شرعية من أحداث تاريخية وكتب التاريخ) .

وهو عنوان صحيح، لكن موضوعه فيه ككل أبحاث الكتاب تحتاج إلى تفصيل وبيان، فإن ما تحت هذا العنوان ما يستنكر من الكلام.

وإليك التفصيل.

هناك فرق بين إثبات الدليل من حيث الرواية (القبول أو الرد) ، وبين قبول الدليل باعتبار صلاحية الاحتجاج به بعد ثبوته، وقد خلط الكاتب بين الأمرين، فإن المتكلمين على كتب التاريخ تكلموا عنها كثيرا من حيث عدم تحقيقها للخبر، وأنها تروي الغث والسمين، والصحيح والمكذوب، وهذا النوع من الحديث لا يدخل في البحث الذي يتكلم فيه الكاتب على الرغم أنه نقل كلاما لبعض أهل العلم حولها وذلك عند قوله:"إن هذه أحداث ووقائع تاريخية نقلت إلينا بأسانيد معظمها ضعيفة أو غير معروفة ... إلخ، هذا مع التنبيه أن طرق تحقيق الخبر التاريخي تختلف في بعض وجوهها عن تحقيق الحديث النبوي، وهذا يحتاج إلى تفصيل ليس هذا موطنه."

ولكن هل عمل الأمة له نوع ترجيح في بعض مسائل العلم؟

وهل يجوز للعالم أن يستدل بما جرت عليه الأمة في أبواب العلم؟

هذه المسألة كان ينبغي على الكاتب أن ينتبه لها، وأن يذكرها لأهميتها في هذا الباب العظيم، ولذلك سأذكر أقوال أهل العلم الدالة على أن ما جرت عليه الأمة في تاريخها هو إحدى مرجحات المسائل والتمييز بينها.

ففي الاعتبار في الناسخ والمنسوخ لأبي بكر الحازمي رحمه الله تعالى ذكر في أول كتابه طرق الترجيح بين الأخبار والأقوال ذكر خمسين وجها وهي من عيون المسائل في كتابه.

قال في الوجه الثاني والثلاثين: في ترجيح الأخبار أن يكون مع أحد حديثين عمل الأمة دون الآخر، لأنها يجوز أن تكون عملت بموجبه لصحته ولم تعمل بموجب الآخر لضعفه، فيجب تقديم الأول لهذا التجويز.

وهذا الكلام ربما أخذه من الغزالي في المستصفى، فإنه قال في باب فيما ترجح به الأخبار:

الثالث عشر: - أن تعمل الأمة بموجب أحد الخبرين، فإنه إذا احتمل أن يكون عملهم بدليل آخر فيحتمل أن يكون هذا الخبر. فيكون صدقه أقوى في النفس.

ولذلك كان أهل العلم يذمون الغرائب من الأقوال، ولما أراد الإمام الحافظ أبو داود رحمه الله تعالى أن يمدح كتاب السنن مدحه أنه لم يرو فيه إلا المشهور ولم يذكر فيه الغرائب.

وقد فصل الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات هذا الأمر فقال:"فإن موافقة العمل (للنص) من أوجه الرجحان، فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به، ومصدق له، على نحو ما يصدقه الإجماع، فإنه نوع من الإجماع الفعلي، بخلاف ما إذا خالفه، فإن المخالفة موهنة له أو مكذبة، وأيضا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهنة، لأن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتجاج إلى البحث عن أمور كثيرة، لا يستقيم إعمال الدليل دونها، ومعين لناسخها من منسوخها، ومبين لمجملها، إلى غير ذلك، فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم، ولذلك اعتمده مالك بن أنس ومن قال بقوله."

وأيضا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف وهو مشاهد معنى، ولأن تعارض الظواهر كثير مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها.

ولذلك لا تجد الفرق الضالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية بعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطلاق ما أشنعها في الافتئات على الشريعة ... ولهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه من العمل فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل .. ثم شرع رحمه الله في بيان ضرورة ذلك. (2/ 76 - 77)

واقرأ إن شئت توسعا (المسألة الثانية عشر) والتي بعنوان (كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا، أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما أو لا يثبت به العمل .. ) .

ومن قرأ كتب فتاوى العلماء رأى استدلالهم الكثير بما جرى عليه عمل الأمة في تاريخها، ومن اطلع على ما كتبه شيخ الإسلام يرى هذا كثيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت