ولذلك حين يقول القائل: هذا ما جرى عليه السلف، أو هذا عمل الأمة، أو ينقل موقف العلماء العملي من حادثة أو نازلة ما فإنه لا يكون قد تجنى على الشريعة، ولا ينسب إليها ما ليس منها، لكن ينبغي وضع هذا الدليل موضعه فلا يقدم حتى ينقض الأحكام الصريحة الجلية، كذلك لا يهمل كما أراد كاتب هذه الرسالة.
وفي هذا يقول الإمام أحمد في رسالة له: ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدا: فهو قول فاسق عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إنما يريد أن بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم والسنة، والتفرد بالرأي والخلاف.
ثم قال رحمه الله بعد أن ذكر مسائل في العقائد:
وهذه المذاهب والأقاويل التي وصفت مذهب أهل السنة والجماعة والآثار، وأصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أدركناهم، وأخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط، وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم أ. هـ.
فتأمل حفظك الله كيف استدل على صدق مباحثه بكون ما قاله هو قول أهل العلم وما ساروا عليه، وكيف ذم من ترفع عن متابعتهم.
وأما ما نقله من الجامع في طلب العلم الشريف من القدح في الكتب التي ألفت تحت اسم (فقه السيرة) وقلده الكاتب تقليدا سيئا، فالرد المفصل عليه إن شاء الله تعالى في الرد على كتاب الجامع ولكني أقدم الآن هنا ما يلزم من بيان خطأ صاحب الجامع ومقلده.
إذ الصحيح أن السيرة تصلح لنوع من أنواع الفقه، والتأليف في فقه السيرة ليس بدعة محدثة، فلو فقه هذه المسألة النافون لعلموا أن كتاب"زاد المعاد في هدي خير العباد"لابن القيم الجوزية هو من هذه المشكاة وذلك المنبع.
ثم كثيرا ما أغفلت كتب الفقه بعض عيون مسائل الفقه والتي تدخل تحت اسمه المبارك في قوله صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
فأين فقه الرؤيا؟
وأين فقه الخشوع؟
وأين فقه الأمنية والتمني؟
وغيرها من المسائل.
ثم إن هناك من الفقه العظيم (بمعناه الواسع) التي تحتويه الأخبار الواردة في كتب السير، سواء كانت هذه الأخبار مما صح في أعلى مراتب الصحة أو ما كان قريبا من الصحة أو ما كان مرسلا أو منقطعا، وترك هذه الأخبار جملة بحجة ضعف أسانيدها ليس منهج العلماء المتقدمين في الاحتجاج، وهذا باب واسع جهله المتأخرون وأفسدوا نضارته، حتى رأينا من دعا إلى تأليف كتب في صحيح السيرة على غرار كتب الصحيح، أو تقليدا لبعض المتأخرين في إفساد كتب المحدثين في تشويهها بتقسيمها إلى صحيح وضعيف، وهذا والله هو الجهل بعينه، وهو من جرائم المتأخرين في حق هذه الكتب السلفية العظيمة.
والقصد أن (فقه السيرة) هو إحدى العلوم الشرعية الجليلة، وله مرتبة في دين الله تعالى لا ترد بالكلية، والراد لها بالكلية شأنه شأن من قدم المرسل على الصحيح أو الضعيف على الحسن فكلاهما على طرفي نقيض.
وصاحب الجامع لطلب العلم الشريف تعامل في أكثر من موطن مع مصطلحات السلف بما استقرت عليه عند المتأخرين، وهذا تحكم جاهل لا يفعله إلا من لا يعرف منهج المتقدمين في المصطلحات.
فهو ناقش بعضهم في مصطلح المرسل بما استقر عليه في كتب المتأخرين بعد ابن الصلاح، وهاهنا حجم مصطلح الفقه العظيم إلى ما استقر عليه المصطلح من ضيق عند المتأخرين، إذ الفقه أوسع وأشمل مما هو كتب الفقهاء عند المتأخرين، ولو سألت أحدهم أين تجد في هذه الكتب فقه الأخلاق الإسلامية، وأين تجد فيها"حكمة التصرف في النوازل"والتي هي عين الفقه، لما أحرى جوابا.
يقول ابن بطة العكبري في إبطال الحيل ص 6:"فأما الفقه في اللسان الفصيح فمعناه الفهم، تقول فلان لا يفقه قولي، أي لا يفهمه."
وقال ابن الأثير (في جامع الأصول 9/ 116) : الفقه: العلم والدراية في الأصل، وقد جعله العرف خاصا بعلم الشريعة وخاصة علم الفروع، فإذا قيل فقيه: علم أنه العالم بعلوم الشرع، وإن كان كل عالم بعلم فقيها.
وهذه المسألة أقتصر فيها هنا على هذا المطلوب، وتمام تفصيلها كما تقدم في ردي على كتاب الجامع لطلب العلم الشريف.