قال الشافعي في الأم (4/ 159) : لو أُسِرَ جماعة من المسلمين فاستعان بهم المشركون على مشركين مثلهم ليقاتلوهم فقد قيل: يقاتلونهم، وقيل قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين.
ومن قال هذا القول قال: وما يحرم من القتال معهم ودماء الذين يقاتلونهم وأموالهم مباحة بالشرك؟!!
ولو قال قائل: قتالهم حرام لمعانٍ منها:
-أن واجبًا على من ظهر من المسلمين على المشركين فغنم في الخمس لأهل الخمس، وهم متفرقون في البلدان وهذا لا يجد السبيل إلى أن يكون الخمس مما غنم لأهل الخمس ليؤديه إلى الإمام فيفرقه.
-وواجبٌ عليهم أن يقاتلوا أهل الكتاب فأعطوا الجزية: أن يحقنوا دماءهم، وهذا أن أعطوا الجزية لم يقدر على أن يمنعهم حتى يحقنوا دماءهم، كان مذهبًا.
وإن لم يستكرهوهم على قتال كان أحب إلي ألا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت (يقول الفقير: وذلك لوجود محمد بن اسحق فيه، والله أعلم) ولو ثبت: فإن النجاشي كان مسلمًا آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
انتهى كلام الامام المطلبي رحمه الله وأجزل له المثوبة.
وفي المدونة لسحنون المالكي:
قال مالك في الأسارى يكونون في بلاد المشركين يستعين بهم الملك على أن يقاتلوا عدوًا له ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين.
قال: لا أرى أن يقاتلوا على هذا ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك؛ وإنما يقاتَلَ الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا في ذلك دماءهم في ذلك فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمًا على هذا. (1/ 391) .
وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود:
قال الإمام أحمد: لو قال ملك الكفار للأسرى المسلمين: اخرجوا فقاتلوا أعطيكم كذا وكذا، فلا يحل أن يقاتلوا معه.
وأن قال: أخلي عنكم، فلا بأس بذلك رجاء أن ينجوا.
وسئل: إن قال لهم ملك الكفار: أعطيكم وأحسن إليكم، هل يقاتلون معه؟
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، لا أدري (ص248 - 249) .
يقول أبو قتادة: رحم الله أهل العلم والتقوى كيف كانوا على بصيرة من دينهم، وكيف كانت تقواهم.
فهذا الإمام أحمد يقول في مسألة لا أدري، ولو عرضت اليوم على غر صغير جاهل لما حك ذقنه قليلا قبل أن يخوض فيها ويقول فيها ما يرى، ثم لن يتردد في تبديع مخالفه ولعنه.
وفي كشاف القناع للبهوتي من الحنابلة: تحرم إعانة الكفار على عدوٍ منهم إلا خوفًا من شرهم، أما إن كان عدو الكفار من المسلمين فيجب أن يجتمع المسلمون على قتال الكفار جميعا ً (3/ 57) .
قال الجصاص الحنفي في مختصر اختلاف الفقهاء للإمام الطحاوي:
قال أصحابنا: (في المستأمن المسلم يقاتل مع المشركين) : لا ينبغي أن يقاتلوا مع أهل الشرك، لأن حكم الشرك هو الظاهر وهو قول مالك.
وقال الثوري: يقاتلون معهم.
وقال الأوزاعي: لا يقاتلون إلا أن يشترطوا عليهم إن غلبوا أن يردوهم إلى دار الإسلام.
وللشافعي: قولان انتهى (3/ 454) .
قال ابن هبيرة في الإفصاح:
واختلفوا: هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب، أو يعاونون على عدوهم؟
قال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق، واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدمًا للمسلمين فيجوز.
وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق متى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره (2/ 286) .
وفي الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (بالتاء، نسبة الى محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر) :
وسئل نفع الله به وفسح في مدته: عما إذا حضر المسلم الحرب الواقعة بين الكافر الحربيين ككفرة مليبار (إقليم كبير يشمل على مدن كثيرة في وسط الهند قريب من ملتان ومتصل به) فإن من يشاهد الحرب كافرًا كان أو مسلمًا يقصد معاركهم إلى نحو فرسخين، ويعدون لذلك مآكل، ويقوم عند معركتهم ويتفرج على القتل والضرب فيما بينهم، فهل يأثم المسلم بمشاهدته وحضوره لما فيه من تكثير جمعهم، مع أنه لا ضرورة له إلى ذلك، وتقبيح طائفة وتحسين أخرى والحث على الهجوم على الآخرين، ووجود الخطر، فربما تصل إليه سهامهم، وربما يجرح وربما يقتل أو لا إثم في ذلك؟