وإذا أعان المسلمون إحدى طائفتي الكفرة في حروبهم، وقاتلوا الآخرين معهم من غير ضرورة ولا حاجة حتى يَقْتُلوا أو يُقْتَلوا في الحروب، فهل يجوز ذلك أو لا؟
وهل يُؤجر المسلم بذلك لقتله الكافر أو لكونه مقتوله، وهل يعامل معاملة الشهيد في عدم الغسل والصلاة عليه؟
وقد يكون خروج المسلم لإعانتهم لطلب ملوك بلادهم الكفرة منه أن يخرج معهم لذلك، فكيف يكون الحكم في ذلك؟
وهل فرق بين ما إذا خرج بطلب ملوكهم أو لا؟
فأجاب بقوله: حضور المسلم لحرب الحربيين فيما بينهم بقصد تعلمه الشجاعة وكيفية القتال وقوة النفس عند مشاهدته أو بقصد فرحه بمن مات من الحربيين لتعلو كلمة الله تعالى بضعف شوكتهم وقلة عددهم، أو بقصد شيء غير ذلك من المقاصد الصحيحة جائزة غيرمحذور فيه بوجه، سواء بعد مكان الحرب أو قرب، وليس في ذلك تكثير لجمعهم، فان التكثير انما يتصور في حق الموالي والمناصر، وأما الحاضر راجيا لزوالهم وفنائهم عن آخرهم ومنتظرا وقوع دائرة عليهم فينتقم منهم فغير مكثر لجمعهم، بل هو من جملة المحاربين لهم باطنا.
وكذا لا محذور أيضا في اغراء بعضهم على بعض، لأن التوصل الى قتل الحربي جائز بل محبوب بأي طريق كان.
هذا كله إن ظن سلامته أو قتله بعد انكائهم.
أما لو غلب على ظنه أن مجرد حضوره يؤدي الى قتله أو نحوه من غير أن يلحقهم منه نكاية بوجه، فحضوره حينئذ في غاية العزم والتقصير، فليمسك عنه.
وإذا أعان مسلم أو أكثر إحدى الطائفتين فقتله في الحرب أحد الحربيين فهو شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه وله ثواب، أي ثواب إن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
ولا فرق في ذلك كله بين من خرج بنفسه ومن خرج بطلب ملكهم له حيث لا إجبار. (2/ 25)
وسئل كذلك:
-هل يجوز حضور المسلمين الحروب التي تقع فيما بين الكفرة للمشاهدة والتفرج أو لا يجوز، لما في ذلك من تكثير جمعهم وإعانتهم على ظلمهم وتحسين طائفة وتقبيح أخرى، ووجود الخطر، فإنه ربما تصل أسهمهم إلى الناظرين، وكان مشايخنا من أهل مليبار يمنعون المسلمين من حضورهم حروبهم؟
-وهل يجوز قتال المسلمين مع إحدى الطائفتين من الكفار حتى يقتل أو يقتل من غير حاجة إلى ذلك أولا؟
-وهل يؤجر لأنه إما أن يقتل كافرا أو يقتله كافر، وهل يعامل معاملة الشهيد؟
فأجاب رحمه الله تبارك وتعالى بقوله:
إذا وقع قتال بين طائفتين من الحربيين لم يحرم الحضور، لأن كلا من الطائفتين مهدر، فالقتل فيهما واقع في محله، فليس ثم معصية أقر عليها المتفرج بحضوره.
نعم إن خشي على عود ضرر عليه - (في الأصل غير مستقيمة وهذا الذي أرجحه مناسبة للسياق والسباق) - من الحضور حرم عليه.
ولعل منع المشايخ المذكورين الحضور كان لأجل ذلك.
وللمسلمين أن يقاتلوا كلا من الطائفتين وإن يقاتلوا إحداهما لا بقصد نصرة الطائفة الأخرى، بل بقصد اعلاء كلمة الاسلام، والحاق النكاية في أعداء الله تعالى، ومن فعل ذلك بهذا القصد حصل له أجر المجاهد لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر البخاري وغيره: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ولا شك أن من قاتل إحدى الطائفتين بقصد ذلك كان كذلك، حتى إذا قتل في الحرب، أو انقضت وحركته حركة مذبوح أو ليس به حياة مستقرة عومل معاملة الشهيد في الدنيا والآخرة، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
نعم يشترط أن يعلم مريد القتال أنه يبلغ نوع نكاية فيهم، أما لو علم أنه بمجرد أن يبرز للقتال، بادروه بالقتل من غير أدنى نكاية فيهم فلا يجوز له قتالهم حينئذ، لأنه يقتل نفسه من غير فائدة البتة، فيكون عليه اثم قاتل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم. (4/ 222) .
قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى:
1 -إذا قال أهل الحرب للأسراء قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وهم يخافون أولئك الآخرين على أنفسهم، فلا بأس أن يقاتلوا، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، فإنهم يأمنون الذين في أيديهم على أنفسهم ولا يأمنون الآخرين إن وقعوا في أيديهم، فيحل لهم أن يقاتلوهم دفعا عن انفسهم.
2 -وإن قالوا لهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين وإلا قتلناكم، فلا بأس بأن يقاتلوا دفعا لهم، لأنهم أيضا يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، وقتل أولئك المشركين حلال، ولا بأس بالإقدام على ما هو حلال عند تحقق الضرورة بسبب الإكراه، وربما يجب ذلك كما في تناول الميتة وشرب الخمر.