وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس"يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم".
قال: فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستجب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا. (اقتضاء الصراط المستقيم2/ 644) .
يقول أبو قتادة: تأمل هذه الكلمة من هذا الإمام واعقلها حق العقل تعرف فساد ما عليه من لا يرى الأمور إلا على مرتبة واحدة، وتعرف فيها انحراف من جعل القبوريين مرتبة واحدة، وفساد من لم ير في طلب الصحابة الا الكفرلقوله صلى الله عليه وسلم في احتجاجه بالآية:"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة"وكلام الشيخ ابن تيمية واضح في أن هؤلاء الصحابة لم يطلبوا شركا ولا كفرا، وإنما شابهوا المشركين مجرد مشابهة.
ولو سأل سائل: ماهي هذه المشابهة؟
فالجواب:
اعلم يا عبد الله أن الله تعالى جعل في مواطن من الأرض البركة، وقد طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه في اتخاذ مقام ابراهيم عليه السلام مصلى، وقد أجيب طلبه كما الحديث الذي في البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم عن أنس رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلى؟ فنزلت"واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى"الحديث.
ومن طلب من الله تعالى أن يجعل في مكان ما البركة لعمل من الأعمال لا يكون قد طلب شركا، وهؤلاء الصحابة طلبوا ذات أنواط، أي مكانا يعلقون فيه أسلحتهم لتحصل فيها البركة.
ولما كان هذا الطلب فيه مشابهة للمشركين كما هو في الظاهر من الحديث، وكما هو فهم ابن تيمية والشاطبي، والمشركون يعتقدون في المكان أن فيه البركة استقلالا أو ادعاء على الله وكذبا، منع منه المسلمون.
لكن لو قيل: فكيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلتم كما قالت بنوا اسرائيل"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة".
فالجواب: هذا كله من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه أو ببعضه (كما تقدم في المقدمة الثانية) ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: ما شاء الله وشئت.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلتني لله ندا؟
والجاهل يحمل هذا على الشرك الأكبر، لقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الشرك: أن تجعل لله ندا وهو خلقك.
وهو كقوله تعالى:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه".
إذ الجاهل يرى أن كل من اتبع هواه، في أي عمل على خلاف الشريعة، كالسارق والزاني هو مشرك لأنه اتخذ هواه إلها.
وهو قول باطل عار من دين الله تعالى.
هذا هو الحق الحقيق في المسألة، وما قاله ابن باز رحمه الله، ثم ما تبعه عليه صاحب الجامع، وكاتب هذا الكتاب، وكذا بعض الكتبة كصاحب قواعد في التكفير (ص62) هو خطأ في فهم الواقعة لم أر أحدا من السلف قال بقولهم هذا، وليس لهؤلاء أن يخالفوا غرز من سبق في فهم هذا الحديث.