الصفحة 28 من 46

وهذا لو تفطنت له علمت ما قلته لك أخي القارىء في مقدمة كتابي هذا بأن الكتاب الذي أرد عليه هو (كشف شبهات المقاتلين) هو كتاب سيء يحتج بالعمومات دون تفصيل، فكان أن وقع في حمأة الغلو المذموم.

فالديمقراطيون طبقات:

هناك مسلم ديمقراطي (استخدمت لفظ مسلم ديمقراطي، كاستخدامهم مسلم صوفي، وإن كان الديمقراطي الكلي لا يكون مسلما) يقول: أن الديمقراطية عندي هي وسيلة في اختيار الحاكم، ولا أقول بأن للشعب أن يقبل من الأحكام بحسب رأي الأكثرية دون مراعاةٍ للحكم الشرعي المنزل، فهذا أبدًا لا يكون حكمه من قال بالديمقراطية في معتقدها، ومن سوى بينهما فقد افترى على دين الله تعالى وسلك غير سبيل المؤمنين، نعم هو مبتدعٌ مخطىء، كحال الصوفية والمتكلمين في بدعهم وأخطائهم، لكن لا يمكن أن يكون كافرًا بهذا القول.

فحين يُكَفِّر صاحب الكتاب السيء حركة حماس لأنها تقول بالديمقراطية هكذا مطلقًا، أو حين يُكَفِّر الحركة الإسلامية في كردستان لهذا القول يكون قد افترى في دين الله تعالى كما افترى سابقًا في التسوية بين الاستغاثة والتوسل بجامع دخولهما تحت اسم واحد وهو"القبوريين"! وهم عنده على مرتبة واحدة كلهم قد أخلوا بأصل الدين.

ثم إن هؤلاء حتى لو قالوا مثل هذه الأقوال الحادثة كالديمقراطية والاشتراكية (كما وقع من الشيخ الدكتور/ يوسف السباعي رحمه الله تعالى) فإن الواجب إعمال موانع التكفير في حقهم لخفاء الإسلام ودروسه، ولعمومات هذه الألفاظ واحتوائها على معاني باطلة متعددة وبعض المعاني الإسلامية الصحيحة كما وقع من الشيخ الدكتور يوسف السباعي في كتابه الذي سماه"اشتراكية الاسلام". فالقول بردتهم غلوٌ وإفراط وانحراف عن سبيل أهل السُّنة والجماعة.

وأهل العلم في حكمهم على الطوائف والفرق كانوا يفصلون تفصيلا يزيل كل لبس, ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية في الشيعة، فإنه يقول: والشيعة هم ثلاث درجات:

-شرها الغالية: الذين جعلوا لعلي (ابن أبي طالب رضي الله عنه) شيئا من الألوهية، أو يصفونه بالنبوة، وكفر هؤلاء بين لكل مسلم يعرف الإسلام، وكفرهم من جنس كفر اليهود والنصارى من هذا الوجه، وهم يشبهون اليهود من وجوه أخر.

-والدرجة الثانية: وهم الرافضة المعروفون، كالإمامية وغيرهم، الذين يعتقدون أن عليا هو الإمام الحق بعد النبي صلى الله عليه وسلم بنص جلي أو خفي، وأنه ظلم ومنع حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر، ويشتمونهما، وهذا عند الإمامية سيما الرافضة، وهو بغض أبي بكر وعمر وسبهما.

-والدرجة الثالثة: المفضلة من الزيدية وغيرهم الذين يفضلون عليا على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة -وإن كانت باطلة- فقد نسب اليها طوائف من أهل الفقه والعبادة، وليس أهلها قريبا ممن قبلهم، بل هم ألى أهل السنة أقرب منهم الى الرافضة، لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي, والنزاع الأول أعظم، ولكنها المرقاة التي تصعد منه الرافضة فهم لهم باب.

-وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها .. وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء الى أهل السنة أقرب منهم الى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب اليهم طائفة هم الى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعا عظيما فيما يثبتونه من الصفات، وأعظم من منازعتهم لسائر أهل الإثبات فيما ينفون.

وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته. (التسعينية236 - 271)

يقول الفقير: انظر هداك الله لأرشد أمره الى طريقة أهل العلم في التفصيل لحال المخالفين ليصدق عليهم الحكم الشرعي، ومن لم يفقه هذا فليس له الحديث في النوازل والأحكام، بل هو الى الجهل أقرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت