الصفحة 40 من 46

يقول الشيخ رحمه الله تعالى: وكثير من الناس قد يرى تعارض الشريعة في ذلك (الأمر بالمعروف والجهاد) فيرى أن الأمر لا يقوم إلا بفتنة، فإما أن يؤمربهما جميعا، أو ينهى عنهما جميعا، وليس كذلك، بل يؤمر وينهى ويصبر عن الفتنة كما قال تعالى:"وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك" (الاستقامة1/ 41)

وقد أجمل ابن دقيق العيد العبارة كعادته رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته فقال:

لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح، لكن الاسترسال فيها وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد، وربما تخرج عن الحد. (ارشاد الفحول ص342) .

ويقول الجويني:

"ونحن نعلم أنه لم يفوض إلى ذوي الرأي والأحلام أن يفعلوا ما يستصوبون، فكم من أمر تقضي العقول بأنه صواب في حكم الإيالة والسياسة، والشارع وارد بتحريمه، فلسنا ننكر تعلق مسائل الشرع بوجوه من المصالح، لكنها مقصورة على الأصول المحصورة، وليست ثابتة على الاسترسال في جميع وجوه الاستصلاح ومسالك الاستصواب". (الغياثي269 - 270)

أما شروط المصلحة المعتبرةفي عمل المكلف فهي:

-أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله.

-أن تكون فيما عقل معناه، بحيث لو عرضت على العقول تلقتها بالقبول.

-أن يكون في الأخذ بها حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين. (أنظر الاعتصام2/ 110 - 115) .

وأما الغزالي فقد جعل لها شروطا في عدة من كتبه المنخول: والمستصفى، وشفاء الغليل: وهي:

-أن تكون المصلحة ضرورية أو حاجية منزلة منزلة الضرورة.

-أن تكون قطعية غير ظنية.

-أن تكون ملائمة لتصرفات الشارع.

هل الاستحسان هو المصلحة مطلقا كما أوهم الكاتب:

-تقدم كلام ابن تيمية في وجه التفريق بينهما.

-قال الشاطبي عند المالكية: أنهم صوروا الاستحسان تصور الاستثناء من القواعد، بخلاف المصلحة المرسلة. (الموافقات4/ 121) .

ومضى الكلام أن المصالح منها ما هو استحسان، وما لم يكن اسثناء فهو مصلحة.

وهو قريب من معنى كلام ابن تيمية السابق، وصاحب الكتاب سمى"مصلحة الدعوة"استحسانا مطلقا، وحمله على معنى الذم مطلقا، وهو عمل أليق بصبية المكاتب.

وأما ابن حزم فلا عبرة بكلامه في هذا الباب، لأنه خالف أهل السنة في نفي الحكمة والتعليل في أفعال الرب وأحكامه، وهذا من أثر المنطق السيء عليه، وليس هذا موطن مناقشة ابن حزم في هذه المسألة، لكن نشير إليها هذه الاشارة فقط:

فابن حزم يجوز على الرب أن يأمر بالشيء وينهي عن مثيله، وينهى عن شيء ويأمر بمثيله، وهو لا يرى حكمة ولا علة لأحكام الله تعالى، وهو في هذا الباب موافق للأشاعرة، إلا أن الأصوليين من الأشاعرة مع قولهم بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الرب وأحكامه إلا أنهم جعلوا العلة والحكمة في أفعال الرب وأحكامه علامة وأمارة غير مؤثرة، واختلفوا عن ابن حزم في قولهم بالقياس.

وكل هذه الأقوال عارية من الدليل الشرعي بل مخالفة له، والمعتزلة في هذا الباب مع ضلالهم في قولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى، حيث لا يجوزون على الرب القدرة على فعل كل شيء، إلا أنهم في باب الحكمة والتعليل أقرب إلى أهل السنة من جهة إثباتها مع مخالفتهم لأهل السنة في تفسيرها، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت