الصفحة 8 من 46

كما إني أرجو من صاحب الكتاب (كشف شبهات .. ) إن وصلته هذه الورقات، ومن أي قاريء لها أن لا يتعامل معها الا بما أمر الله تعالى، وذلك بقبول النصح، وانزاله على المعنى الحسن، وتدبره لأصابة الوجه الصحيح منه، فما من كتاب الا راد ومردود عليه، اذ أبى الله أن يتم الا كتابه، ولولا أن الكتاب المذكور تكلم كلاما خطيرا في دين الله تعالى، وكفر طوائف من المسلمين ظلما وعدوانا ما اهتممت به ولا نشطت للرد عليه، إذ الكتب البشرية لا تخلو من أخطاء، لكن فرق بين تلك الأخطاء التي لا تضر كثيرا وبين خطأ هذا الكتاب، فهو شنيع في بابه، وصاحبه تكلم في غير فنه، وصدق الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى حين قال: من تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب.

وقد حاولت جهدي أن أقلل من كلامي في هذه الورقات، وأكثر من النقل عن الأئمة حتى يحصل الثقة من المعنى المراد بثه، ولكون هذه القضايا قد فرغ منها الأئمة، فليس علينا إلا اتباع غرزهم ففيه النجاة بحمد الله تعالى، وقول السلف لنا أصوب من كلامنا لأنفسنا، وما كان يومئذ دينا فهو دين الله تعالى في كل وقت، وما لم يكن دينا عندهم فلا يمكن أن يكون دينا لمن بعدهم، وفضلهم في معرفة دين الله وفي فهمه لا يدانيه فهم ولا معرفة، ولو قرأنا سيرة أحدهم ثم رأينا ما عليه المتأخرون من علم وعمل لأدركنا أن بلوغ الشم الرواسي في علوها اهون من أدراك علمهم ودينهم، فلا يغرك جعجعة البعض بأن متاخرا استدرك على مجموع الأوائل في علمهم وفقههم، فوالله ليست هي إلا الدعاوي الفجة الفارغة، ولا يقولها إلا من لا يعرف سيرة السلف، ولم يتضلع من كتبهم وفقههم، وإنما هو طيلة وقته مع ما كتبه المتاخرون، لا يرى سواها ولا يعرف غيرها.

والمتأخرون حين يكتبون في أغلبهم -إلا من رحم الله- إن وجدوا ما يستدرك على المتقدم أبرزوه وصاحوا باسمه، وإن أخذوا منه شيئا ستروا مصدره، وسكتوا عن قائله، وإن أظهره فإنما يظهره -مدلسا- في مظهر الموافقة له بعد جهوده الذاتية كما يزعم في اكتشاف الأمر بنفسه، فتجده يقول:"وهذا الذي هديت اليه وجدته من قول فلان من السلف"، وهو في الحقيقة متطفل عليهم سارق منهم، فيأتي التابع له -لجهله- فيرى هذا المتأخر يستدرك على الكبار في أخطائهم، وإذا أصاب فإنما هو استقلال بنفسه، فيراه من القوم الذين فاتوا من قبلهم، وأعجزوا من بعدهم! فيا لله كم ظلمنا السلف وكم صغرناهم في أعين الناس، حتى صار أمثال الشافعي ومالك يرد عليهم ممن لا يعرف في دين الله حتى الحواشي، لكنه والله هذا هو ذهاب العلم وانتشار القلم كما أنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحقيقة أيها الأحبة أننا اكتشفنا أن المتأخرين لم يصلوا بعد الى فهم مصطلحات المتقدمين، فكيف يصلوا لعلومهم أو أن يتجاوزوها.

وأنا أنبؤك عن أحد الشم الرواسي في دين الله تعالى ماذا قال عن نفسه مقابل المتقدمين:

الإمام الدارقطني -عرفه من عرفه وجهله من جهله- يقول: من أراد أن يعرف مقدار جهله فليقرأ كتاب القسامة لمحمد بن نصر المروزي.

هكذا يعرف الأوائل فضل من سبقهم.

وهذا الإمام أبو عمرو بن العلاء يقول: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل صغير في أصول نخل طوال.

رحم الله سلفنا، وجزاهم عن دين الله خير الجزاء، وأصلح الله أمة لم تعرف فضلهم.

ثم إني ملت أن أجعل هذه الورقات (مع صغرها) أصولا لأخواني في فهمهم لما يقع منهم ومعهم من قضايا ونوازل، ومن شق عليه فهم كلام الأئمة فليس له أن يتكلم في أعظم الأحداث والنوازل، بل عليه أن يتقي الله في نفسه وفي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليتذكر الأخوة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها من البلاء ما الله به عليم، فلا ينبغي لنا أن نزيدها بلاء على بلاء، وأن نتعامل معها بالقسوة والشدة، بل نرفق بها ما كان للرفق متسعا.

كذلك أنبه نفسي وإخواني أننا نعيش في عصور متأخرة متباعدة في الزمن والعمل عن مجتمع الصحابة رضي الله عنهم ومجتمع خير القرون فلا نحمل الناس على الشدة، اذ كما كان يقول بعض الصالحين: الحق مر فلا تزده مرارة باسلوبك.

وقد حاولت جهدي أن أكون ناصحا مذكرا، لا مقرعا ومخطئا، وليس القصد هو بيان ضلال أحد، أو التنبيه على فساد جماعة من الناس أو فرقة من الفرق، وإنما هو النصح والتذكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت