الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم في أعظم ليلة من شهر رمضان، ليلة السلام والشرف والمكانة والرفعة والتقدير والتدبير والتعظيم والخير والبركة، قال جل جلاله"إنا أنزلناه في ليلة القدر"وقال عز وجل"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"الدخان3 والحمد لله الذي جعل القرآن الكريم كتاب هداية للبشرية جمعاء، فيه نبأ من كان قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو الحبل المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا"إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد، فآمنا به ولن نشرك بربنا أحد"الجن من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين القائل في الحديث الصحيح"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"والقائل أيضا"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين"، وعلى آله وصحبه الذين اجتهدوا في العمل به على ثقل فروضه وأحكامه وحلاله وحرامه وصدق الله إذ يقول"إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا"
ها قد انقضى شهر الصيام والقيام وصالح الأعمال ونحن على فراقه لمحزونون وعادت"حليمة إلى عادتها القديمة"وكأن شهر القرآن لم يترك أثره المنشود لا على الحاكم ولا على المحكوم -إلا ما رحم ربي- رغم أنه قد جرت"العادة"لدى جميع رؤساء وملوك وأمراء الشعوب المسلمة الإحتفال بليلة القدر من كل سنة وذلك بتكريم حفظة كتاب الله عز وجل وتوزيع الجوائز عليهم، وعقد المسابقات المحلية والدولية، ورصد مبالغ مالية خصيصا لهذا الغرض، وإن كانت هذه المبالغ لا تبلغ عشر معشار ما ينفق على حفلات اللهو والمجون طوال أيام السنة وتحت رعاية هؤلاء الحكام أنفسهم بل إن فنانة واحدة تتقاضى في ليلة واحدة ولساعات معدودة مبلغ ما يأخذه هؤلاء الحفظة والباحثين مجتمعين لسنوات عدة؟!!! ويظهر بشكل واضح أن القرآن عند العامة -إلا ما رحم ربي- مجرد تراتيل للبركة أو مجرد أصوات شجية تجيد تلاوته الحناجر الحلوة من حيث ضبط مخارج الحروف ومراعاة المدود والغنن وحالات الإخفاء والإظهار والإقلاب، أما إقامة أحكامه الشرعية فقلّ من يعرج عليها أو يهتم بها، وتلك هي كارثة الكوارث في حياة المسلمين في عصرنا الحاضر، وهنا يطرح الكثير من المسلمين السؤال الخطير، هل واجب الحكام نحو القرآن الكريم محصور في مجرد الاحتفال بالقرآن الكريم في مناسبات معينة، برصد الجوائز للحفظة والقراء؟!!! وهل هذا الصنيع الذي درج عليه معظم حكام المسلمين يشفع لهم في تعطيل العمل بأحكام الشريعة في جميع مجالات الحياة، والجرأة على تحليل الحرام وتحريم الحلال، واستبدال الأحكام القطعية