والمناصب الدينية بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الإقليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل ... فاقتضى الحال من أجل ذلك ثورة أهل الريف وانتشار الزعّار وقطاع الطريق فخيفت السبل وتعذر الوصول إلى البلاد إلا بركوب الخطر العظيم وتزايدت غباوة أهل الدولة وأعرضوا عن مصالح العباد وانهمكوا في اللذات لتحق عليهم كلمة العذاب،"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"الإسراء، ويرى الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله أن أعظم فتنة هي الحاكم الجائر"غير أن أعظم فتنة -فيما نرى- هو ما قاله الإمام جعفر الصادق رحمه الله أن يسلط عليهم سلطانا جائرا"فإنه إذا جار السلطان وهو من له السلطة في تدبير أمر الأمة والتصرف في شؤونها، فسد كل شيء، فسدت القلوب والعقول والأخلاق والأعمال والأقوال وانحطت الأمة في دينها ودنياها إلى أحط الدّركات ولحقها من جرائه كل شر وبلاء وهلاك ثم يتفاوت ذلك الفساد بحسب ذلك الجور في قدره وسعته ومدة بقائه، هذا إذا كان ذلك الجائر من جنسها ويدين بحسب ظواهره بدينها فكيف إذا لم يكن من جنسها ولا من دينها في شيء، حقا إن أعظم ما لحق الأمم الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على يد السلاطين الجائزين منها ومن غيرها، هذا ما يشهد به تاريخها في ماضيها وحاضرها، فما أصدق كلمة جعفر الصادق وما أعمق نظره فيها ومن أحق بمثلها من بيت النبوة ومعدن الحكمة، عليهم الرضوان والرحمة"والحاصل أن الحاكم الجائر أعظم مصيبة على الأمة في دينها ودنياها ومنهم من أشار إلى أن العبث بالدين والإحداث فيه وتغيير معالمه من أكبر دواعي الفتن، قال ابن حجر"أسباب الفتن غالبا إنما تنشأ عن ذلك الأحداث وفي الحديث وعيد عن التبديل والإحداث"وقال ابن باديس رحمه الله"إن الدين قوة عظيمة والحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه وعليها الأضرار والأتعاب"ولو أن الأنظمة القائمة أقامت أحكام الشريعة لدفنت الفتن في مهدها، لأن أكبر فتنة حدثت في الأمة هي عزل الشريعة الإسلامية عن الحياة والله جل جلاله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم"واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"المائدة49، ومنهم من أشار إلى أن انفصال القرآن عن السلطان أو ما يسمى في عصرنا فصل الدين عن الدولة من أسباب الفتن، قال ابن تيمية"وإن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان، فسدت أحوال الناس وإنما يتميز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية والعمل الصالح"، وقال أيضا"ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس صلح للطائفتين دينهم ودنياهم وإلاّ اضطربت ا>لأمور عليهم"قال شيخ الأزهر محمد الخضر حسين رحمه الله"فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين"ومن أهل العلم من يضيف أسبابا أخرى، قال عبد الله بن المبارك رحمه الله"ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة: العلماء، الغزاة، الزهاد، التجار والولاة، فإذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا