الصفحة 17 من 44

لقد ذكر الإمام ابن القيم عدة روايات في الشروط العمرية، نذكر هنا، إحداها حيث قال:(قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو شرحبيل الحمصي عيسى بن خالد قال: حدثني أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا في ما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيفا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وألا نخرج صليبا ولا كتابا في أسواق المسلمين، وألا نخرج باعوثا - قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى - والفطر ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وألا نجاورهم بالخنازير ولا بيع الخمور، ولا نظهر شركا، ولا نرغب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، وألا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير علي أوساطنا، ولا ننقش خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد، ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق.

فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: أن أمض لهم ما سألوا، وألحق فيهم حرفين اشترطهما عليهم، مع ما شرطوا على أنفسهم، ألا يشتروا من سبايانا، ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده، فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط") [89] ."

مدى صحة هذه الشروط؟

قال الإمام ابن القيم: (وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها) [90] .

وقد صحح إسنادها شيخ الإسلام ابن تيمية [91] ، وقد ذكر جزءا من هذه الشروط في اقتضاء الصراط المستقيم [92] ، ثم قال: (رواه حرب بإسناد جيد) .

وقال أيضا: (وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء، من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها) [93] .

[89] أحكام أهل الذمة، ص657: 661، وانظر المغني ج8/ 524،525، ومجموع الفتاوى ج28/ 651 وما بعدها.

[90] أحكام أهل الذمة، ص664.

[91] الصارم المسلول، ص208.

[92] ج1/ 320.

[93] اقتضاء الصراط المستقيم ج1/ 321، تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل، الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت