الصفحة 26 من 44

الحرية الشخصية:

والحرية الشخصية في الديمقراطية تعني أن الإنسان له مطلق الحرية في أن يعمل أي شيء، مهماكانت حقارة هذا الشئ أو انحطاطه، ومهما كان مخالفا للشرع، وأن يعمل ما يشاء تحقيقا للشعار الشهير الذي أطلقته الرأسمالية في نشأتها"دعه يعمل ما يشاء"،"دعه يمر من حيث يشاء".

قال الشيخ محمد قطب:(وحرية الإنسان في أن يفسد؛ حرية مكفولة بالقانون! فالسلوك الجنسي مسألة خاصة إلى أبعد حدود الخصوصية، لا يتدخل القانون بشأنها أي تدخل، إلا في حالة واحدة هي جريمة الاغتصاب، لأنها تقع بالإكراه لا بالاتفاق، أما أي علاقة على الإطلاق تقع بالاتفاق فلا دخل للقانون بها ولا دخل للمجتمع ولا دخل لأحد من الناس ... فسواء كانت هذه العلاقة سوية أو شاذة، وسواء كانت مع فتاة لم تتزوج أو مع امرأة متزوجة، فهذا شأن الأطراف أصحاب العلاقة وليس شأن أحد آخر، والغابات والحدائق العامة مسرح لكل ألوان السلوك الجنسي، فضلا عن النوادي والبيوت ... كلها ماخور كبير يعج بالفساد الذي يحميه القانون؛ قانون الديمقراطية!

ومن سنوات عقد في الكنيسة الهولندية عقد"شرعي"! بين فتى وفتى على يد القسيس! ومن سنوات اجتمع البرلمان الإنجليزي"الموقر"! لينظر في أمر العلاقات الجنسية الشاذة، ثم قرر أنها علاقات حرة لا ينبغي التدخل في شأنها، كما أعلن أسقف"كانتر بري"وهو رئيس الأساقفة في بريطانيا؛ أنها علاقات مشروعة!

من سنوات كذلك عرض على المسرح الأمريكي وفي التلفزيون مسرحية تشكل العملية الجنسية بكاملها، جزءا منها، ورأى المشاهدون - أوهم ذهبوا ليروا - رجلا وامرأة يقومان بالعملية الجنسية أمام أعينهم، ونقلت الصورة حية على شاشة التلفزيون.

ومن سنوات كذلك قام في التلفزيون البريطاني حوار جنسي اشترك فيه عشرات من الفتيات الصغار، وكان موضوع الحوار سؤالهن عن الوضع الذي يفضلنه في العملية الجنسية، وأجابت الفتيات بصراحة وقحة تقشعر منها أبدان الذين في نفوسهم أي قدر من الحياء الفطري، أما المرأة فهي تتحدث دون حياء!

ولا يقولن أحد إن هذه هي المخططات اليهودية ونحن إنما نتحدث عن الديمقراطية! إنه لا انفصال بين هذه وتلك، الديمقراطية بتمثيلها البرلماني، بوسائل إعلامها، بقواعد الحرية التي تقوم عليها، هي التي تبيح ذلك كله، وتجعله ضمن دائرة الحرية الشخصية، وتحميه بكل وسائل الحماية، وتعطيه الشرعية الكاملة) [132] .

فهذه هي الديمقراطية أو الحرية الشخصية؛ أن ترى الزنا واللواط وشرب الخمور والفسق والفجور في الميادين والطرقات - بل في بيتك وأهلك - ولا تستطيع تغييره، لأن هذه حرية شخصية.

ومن المفاسد التي تترتب على هذه الحرية الشخصية:

الأول:

أن ينتشر الفساد ويعم البلاد، نظرا لعدم تغيير المنكر، والمنكر إذا فشا وانتشر ولم يغير نزل العذاب بالجميع وهلك الصالح والطالح، قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [سورة الأنفال: 25] .

قال الحافظ ابن كثير: (عن ابن عباس في تفسير هذه الآية؛"أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب"، وهذا تفسير حسن جدا) [133] .

وثبت في الصحيحين عن أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها) ، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: (نعم، إذا كثر الخبث) [134] .

قال الإمام النووي: (ومعنى الحديث؛ أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون) [135] .

وروى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا؛ لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجوا، ونجوا جميعا) [136] .

الثاني:

أن نحرم إجابة الدعاء، فعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [137] ، فأي مصيبة أعظم من أن ندعو الله تعالى فلا يستجاب لنا.

الثالث:

حرمان هذه الأمة من صفة الخيرية التي وصفها الله تعالى بها، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [سورة آل عمران: 110] .

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، قال البخاري: ... عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، قال:"خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام"، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ؛"يعني خير الناس للناس"، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ، قال الإمام أحمد: ... عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال:(يا رسول الله أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم؛"خير الناس أقراهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم") [138] .

وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [سورة آل عمران: 104] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: (والمقصود من هذه الآية؛ أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة، بحسبه) [139] .

أما دعاة الديمقراطية والحرية الشخصية؛ فيريدون لهذه الأمة أن تتحول من خير أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر استجابة لأمر الله تعالى إلى شر الأمم، فترى الزنا واللواط والفواحش جهارا نهارا فلا تنكرها ولا تغيرها، استجابة لأمر الشيطان، باسم"الحرية الشخصية"و"التقدم"و"الحضارة"!

الرابع:

إلغاء كل الآيات والأحاديث التي تتحدث عن أمور الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك يخالف الحرية الشخصية.

ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن طارق بن شهاب، قال: (أول من بدأ الخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال: (الصلاة قبل الخطبة، فقال: (قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [140] .

قال الإمام النووي: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم؛"فليغيره"، فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة) [141] .

أما في النظم الديمقراطية؛ فإنك إن رأيت حالة زنا فقمت بتغييرها، عملا بالكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، فإنك سوف تتعرض للعقوبة لأنك خالفت القانون ومنعت إنسانا من ممارسة حريته الشخصية، وسوف تتهم بالإرهاب والعنف والتطرف، وقد يقف الأمر عند السجن أو الغرامة، أما إن كان الزانيان سائحين في إحدى الدول التي تدعي الإسلام؛ فيا ليت الأمر يصل إلى السجن أو الغرامة، بل إنه الضرب والتعذيب الوحشي الذي لا يخطر على بال كثير من الناس، فهل هذه هي الديمقراطية والحرية؟!

الخامس:

عندما يرى المسلم - أو المسلمة - الزنا في النوادي والميادين والطرقات، بل على شاشات التلفزيون - كما حدث في التلفزيون الأمريكي - أو يسمع حوارا جنسيا عن أفضل طرق الجماع - كما حدث في التلفزيون البريطاني - وبجواره أبوه وأمه وأخته، لا شك أنه سينكر ذلك، أما إذا رضي به واعتاده؛ فلا شك أنه سينزع منه صفة من أهم صفات المؤمن، وهي شعبة من شعب الإيمان، ألا وهي صفة الحياء.

فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان) [142] .

وفي الصحيحين أيضا من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم:(الحياء لا يأتي إلا بخير) [143] .

فإذا اعتاد المؤمن على هذه المنكرات وأشربها قلبه باسم"الحرية"، فهل سيبقى في قلبه حياء أو خير؟ لا شك أنه سينزع منه الحياء نزعا، وسيصبح عاريا من كل خير وخلق وحياء، وحينئذ سيقدم على كل فاحشة ورذيلة بلا تردد، كما يحدث في الغرب الصليبي باسم"الحرية الشخصية"، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى؛ إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) [144] .

السادس:

ذكرنا في الأمر الخامس؛ أن من المفاسد التي تترتب على الحرية الشخصية أن المسلم إذا اعتاد على رؤية الزنا واللواط في التليفزيونات والنوادي والحدائق، وإذا اعتاد على سماع الحديث عن الجنس وغير ذلك، فإنه سينزع منه الحياء، وهذه مصيبة لأن"الحياء شعبة من الإيمان"و"الحياء كله خير"، ولكن المصيبة الأعظم أن يرفع الإيمان من الأمة لأنه إذا رُفع الحياء سيرفع الإيمان، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر) [145] .

[132] مذاهب فكرية معاصرة، ص 216، 217.

[133] تفسير ابن كثير ج2/ 299.

[134] رواه البخاري، ك: أحاديث الأنبياء رقم 3346، ومسلم، ك: الفتن وأشراط الساعة رقم: 2880.

[135] صحيح مسلم بشرح النووي ج18/ 220.

[136] رواه البخاري ج5/ 94،216،217.

[137] قال شعيب الأرنؤوط: رواه الترمذي 2170، وفي سنده عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري الراوي عن حذيفة لم يوثقه غير ابن حبان، لكن له شاهد من حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط وآخر عن أبي هريرة عند الطبراني في الأوسط أيضا، انظر مجمع الزوائد ج7/ 266، رياض الصالحين ص: 129، وعزاه الحافظ ابن كثير لأحمد والترمذي وابن ماجة.

[138] تفسير ابن كثير، ج1/ 391.

[139] تفسير ابن كثير، ج 1/ 583، ط دار الفكر.

[140] رواه مسلم، ك: الإيمان رقم 49.

[141] صحيح مسلم بشرح النووي ج2/ 382.

[142] رواه البخاري، ك: الإيمان، ب: أمور الإيمان، ومسلم، ك: الإيمان، ب: شعب الإيمان.

[143] رواه البخاري ك: الأدب، ب: الحياء، ومسلم ك: الإيمان، ب: شعب الإيمان.

[144] رواه البخاري من حديث أبي مسعود ك: الأدب رقم: 6120.

[145] رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت