وهذا هو المراد الحقيقي بالعَلمانية التي يتنادي بها الديمقراطيون ويدعون إليها، وقد شهد شاهد من أهلها على ذلك، وهو عثمان خليل عثمان، وهو من أكبر الدعاة إلى تبني الديمقراطية الغربية، والذي شارك في إعداد معظم دساتير الدول العربية حيث قال: (فإن الديمقراطية الحديثة لا سند لها من الوازع الديني لانفصال الدولة عن الدين) [155] .
وقد اعترف البابا بولس السادس بابا روما بأن الحياة في الغرب منفصلة عن الدين عموما بقوله: إنه يشعر بوحدة شديدة إزاء المجتمع الحديث الملحد ... ويقول: (فلنفكر معا إزاء تجسد حضارة وتاريخ زمننا في غياب الله) [156] .
وفصل الدين عن الدولة يعني أن الإسلام هو الصلاة والصيام والحج فقط، ولا علاقة له بأي أمر من أمور الحياة، وهذا ما يحاول أعداء الإسلام نشره بين المسلمين من خلال وسائل الإعلام.
وهو يعني أيضا إلغاء كل الآيات والأحاديث التي تتكلم عن أحكام الجهاد والحكم بما أنزل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيع والشراء وتحريم الربا والزنا وإقامة الحدود ... إلخ، لأن كل هذه الأمور من السياسة، والسياسة لا علاقة لها بالدين، وهذا هو الكفر البواح، قال تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} [سورة البقرة: 85] .
وهذا أيضا يعني في اعتقادهم الباطل أن الله عز وجل له حق التشريع في أمور العبادات وأن لهم حق التشريع في السياسة والاقتصاد وسائر أمور الدنيا وهذا كفر بالله تعالى، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى: 21] .
إن الديمقراطية لا تعني فصل الدين عن السياسة أو الدولة فقط، بل تعني فصل الدين عن كل حياة البشر، وقد ذكرنا ما تعنيه"الحرية الشخصية"والمفاسد المترتبة عليها، وأنها تعني أن يتحول المجتمع إلى ملهى كبير ملئ بالزنا والفواحش والمنكرات أي يتحول الإنسان إلى حيوان لا دين له ولا خلق ولا كرامة، فالديمقراطية تعني فصل الدين عن السياسة وعن حياة الناس وهذا معنى العلمانية - أي اللا دينية -
وما أحسن ما قاله الدكتور سفر الحوالي - فك الله أسره - عن العلمانية:(والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو"فصل الدين عن الدولة"، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك، الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل؛ إنها"فصل الدين عن الحياة"لكان أصوب، ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو إقامة الحياة على غير الدين سواء بالنسبة للأمة أو للفرد، ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود.
فبعضها تسمح به كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمى منهجها"العلمانية المعتدلة"- NON RELIGIOUS - أي أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين [157] .
وذلك مقابل ما يسمى"العلمانية المتطرفة"- AN IRELIGIOUS - أي المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها، وبدهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينيًا من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين، فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما) [158] .
أخي المسلم:
وبعد استعراض أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية وهذه المواد من الدستور المصري، لا يبقى هناك شك في كفر هذه القوانين ومخالفتها للشرع، وصدق الشيخ أحمد شاكر حين قال: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة) [159] .
فإن الله عز وجل يقول: {إن الحكم إلا لله} ، وهم يقولون في [المادة: 64] : (سيادة القانون أساس الحكم في الدولة) ، وفي [المادة: 3] : (السيادة للشعب وحده) - لا شريك له -
والله عز وجل يقول: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [سورة الشورى: 10] ، وهم يقولون فما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى البرلمان الذي يمثل الشعب.
والله عز وجل يقول: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [سورة المائدة: 44] ، وهؤلاء تركوا الحكم بما أنزل الله وشرعوا أحكاما من عند أنفسهم يلزمون بها الناس ويحملونهم على الكفر.
والله عز وجل يقول: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى: 21)] ، وهم يجعلون لله عدة شركاء لهم حق التشريع من دونه فرئيس الجمهورية له حق التشريع من دون الله كما جاء في [المادة: 112] ، ومجلس الشعب له حق التشريع من دون الله كما جاء في [المادة: 86] ، والشعب أيضا له حق التشريع فهو تعرض عليه الأمور العامة ليقرها أو يرفضها، وهذا يدل على أن كل هؤلاء آلهة من دون الله ولهم حق التشريع كما جاء في مواد الدستور.
وقد ورد لفظ المشرِّع في كتاب"الدستور المصري لسنة 71"، لإبراهيم شيحا في صفحات 39، 42، 43، 44، 46، 47، 48، 50 ... إلخ، فهم يعلنون ولا يستحيون أنهم يشرعون من دون الله وأن سيادة القانون أساس الحكم وأن"مجلس الشعب"له حق التشريع ولرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين.
فكيف نتورع في تكفير أمثال هذه الأنظمة وقد أعلنوا بهذا الكفر وجعلوه قانونا يلزمون به الناس، ويحاكمون ويقتلون من يخرج عليه أو يعارضه فأي ردة أعظم من هذه الردة.
وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [سورة التوبة: 31] ، وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدي ابن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية قال: (فقلت إنهم لم يعبدوهم) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) [160] .
قال الشيخ حمد بن عتيق: (وفسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم أربابا أنها طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فإذا كان من أطاع الأحبار وهم العلماء، والرهبان وهم العباد في ذلك، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، فمن أطاع الجهال والفساق في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، بل ذلك أولى وأحرى) [161] .
فقد تبين من ذلك أن من يتبع غيره في التحليل والتحريم فقد اتخذه ربا من دون الله، وهذا ما يفعله النظام الديمقراطي فهم يجعلون الرئيس ومجلس الشعب يشرعون من دون الله فيحلون الحرام ويحرمون الحلال، ومن الناس من يتبعهم راضيا بذلك فهذا هو الكفر البواح.
[155] الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية، ص112،113.
[156] الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية، ص114،115.
[157] قد تدعي بعض الدول هذا الادعاء ولكنها في الحقيقة تحارب الدين وأهله بكل صور المحاربة.
[158] العلمانية: نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامة المعاصرة، ص23،24، الطبعة الأولى 1402هـ.
[159] عمدة التفسير ج4/ 174.
[160] رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق.
[161] رسالة سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك، ضمن كتاب مجموعة التوحيد ج1/ 338،339، ط: مكتبة دار البيان.