الصفحة 7 من 44

ونشرع الآن بذكر فقرات البيان الأربعة مع الرد المفصل على ما نراه يستحق الرد، وقد أعرضنا عن الرد على بعض الألفاظ التي تحتمل عدة معان خشية الإطالة.

مقدمة البيان:

(إن من أخطر الظواهر التي صاحبت، ولا تزال تصاحب هذه المرحلة التاريخية عند ملتقى مسارات الإنسانية المختلفة اختلاط المفاهيم وتشابك الخيوط والخطوط وذيوع الانطباعات الخاطئة عن الآخرين، وكلها أمور لعب الإعلام العالمي في خلقها وتزكيتها دورا بالغ الخطورة جسيم الضرر) .

إن السبب الرئيسي في اختلاط المفاهيم - الذي يتحدث عنه الإخوان المسلمون - إنما هو الجهل بحقائق الدين وأحكامه وتمييع معالمه الثابتة، ولم يقم الإخوان المسلمون فيما نعلم من تاريخهم ببيان أحكام الإسلام للناس كما أنزله الله تعالى، فمنذ نشأت هذه الحركة اتخذت من المواقف تجاه القضايا الشرعية والسياسية ما يحير أولي الألباب.

فهم تارة ينادون بالجهاد ضد أعداء الإسلام ثم هم يذهبون مذهبا بعيدا في تأييد ملوك مصر الفاسدين ورؤساء الحكومات المتعاقبة الذين ما جنى الناس من حكمهم إلا الفقر والضنك والبعد عن الإسلام، وما مسيرات التأييد للملك التي كان يُسيرها حسن البنا عنا ببعيدة.

وهم حينما يتحدثون عن أحكام الإسلام في مسائل مهمة مثل الولاء والبراء وجهاد المرتدين والعمل لإقامة الإسلام تراهم يتحدثون عنها حديث المنهزمين، وتراهم يُميعون هذه الأحكام حتى لا يصمهم العلمانيون بالتطرف والتشدد، بل ويصفون الجهاد الشرعي بالعنف والتطرف.

وحينما يتكلمون عن أوضاع غير المسلمين من اليهود والنصارى وحكمهم في دين الله فإنهم يأتون بالعجائب من اعتبارهم النصارى إخوانا في الوطن والكفاح الطويل ولا ندري أيدخل في ذلك اليهود أم لا ظانين أنهم بذلك يدفعون عن أنفسهم تهم العلمانيين، ولذلك فقد كان من ضمن أعلى هيئة في الإخوان المسلمين مكتب الإرشاد ثلاثة من النصارى!

وحينما يتكلمون عن وسائل تغيير واقع المسلمين المظلم لا يستطيعون أن ينطقوا بما فرضه الله تعالى من جهاد الكافرين والمرتدين، وإنما تراهم يرفعون راية العمل السلمي من خلال القنوات الديمقراطية الكافرة.

فسبب خلط المفاهيم هو تمييع الإخوان لأحكام الدين الثابتة وذلك حتى لا يصفهم أعداؤهم بتهم التشدد والتطرف، ولو أعلن الإخوان العقيدة الصافية كما نطق بها القرآن دون لبس أو غبش ودون ألفاظ محتملة لساهموا في وصول الإسلام إلى الناس ظاهرا صافيا نقيا، وسيأتي بيان عقيدة السلف وهديهم في معاملة اليهود والنصارى وبيان طرق التغيير الشرعية إن شاء الله تعالى.

(وقد أصابت المسلمين من ذلك كله سهام طائشة مسمومة صورتهم كما لو كانوا شعوبا بدائية همجية مجردة من الحس الإنساني والوعي العقلي والتجربة العملية لسنة التطور والتقدم، منكرة حقوق الآخرين في الحياة وفي الحرية وفي اختلاف الرأي وتباين النظر، حتى أوشكت الدنيا أن تسيء الظن بكل ما هو إسلامي وكل من هو مسلم) .

هذا الكلام الإنشائي لا يستطيع أن يخدع به الإخوان إلا بسطاء الناس وجهالهم، أما أهل البصيرة في الدين فإنهم يعلمون ضلال وبطلان ما قاله الإخوان.

فعن أي حرية يتحدث الإخوان؟! أيدافعون عن حق الكافرين من النصارى واليهود في إظهارهم كفرهم ومعتقداتهم.

أم يدافعون عن حق المرتدين والعلمانيين في الحياة وهم يسخرون من شريعة الله ليل نهار، ويصفونها بالجمود والتخلف وأن القرآن لم يكن إلا مما جادت به قريحة محمد صلى الله عليه وسلم حلا لمشاكل العرب.

أم يدافعون عن حق الملحدين والشيوعيين في أن يكون لهم حزبا سياسيا مدعوما من جهة الدولة ينطق باسمهم ويعلنون من خلاله معتقداتهم.

أم يدافع الإخوان عن حق الذين يعارضون إقامة الحدود الشرعية ويعتبرونها تشويها للإنسانية ورجوعا بها إلى عصر القرون الوسطى.

أم يدافع الإخوان عن حق أهل الفساد والفجور من الممثلين والممثلات في فتنة الناس ونشر الرذيلة بينهم، لا ندري عمن يتحدث الإخوان.

فإن كانوا يتحدثون عمن ذكرنا، فنحن ما نتبع إلا قرآن ربنا حيث قال تبارك وتعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} ، فهل لمن وصفهم الله بالحمير حرية في أن يختلفوا مع المسلمين في الرأي، أو يظهروا سبهم لله تعالى وقولهم: {إن الله فقير ونحن أغنياء} ، وقولهم: {يد الله مغلولة} .

وإن كانوا يتحدثون عن حق النصارى في الحياة والحرية واختلاف الرأي، فقد قال الله تبارك وتعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، ومتى كان للنصارى رأي يسمع وهم الذين يسبون الله تعالى وينسبون له الولد والزوجة، ولا نعرف للنصارى في تاريخ الإسلام الطويل هذه الحرية التي يتحدث عنها الإخوان، وسيأتي تفصيل الحديث عن أحكام النصارى وتاريخهم في خيانة المسلمين والكيد لهم والتعاون مع أعداء الإسلام.

وإن كان الإخوان يتحدثون عن حق العلمانيين الذين يصفون الإسلام بأنه لا يصلح إلا لأهل البادية رعاة الإبل، وأن أحكامه إنما تسلب الإنسان إنسانيته ويستهزؤون بشعائر الإسلام الظاهرة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة، فإن كان الإخوان يريدون أن يُعطى هؤلاء الحق في أن يكون لهم رأي يبدونه فهم يسوغون الكفر بذلك، سواء علموا أم لم يعلموا.

وليس ذلك عليهم ببعيد بعد أن قال أحد مرشديهم عندما سئل؛ هل ستسمحون بإقامة حزب شيوعي في الدولة الإسلامية؟ فأجاب بكل جرأة: (إن الإسلام لا يمنع إقامة حزب شيوعي) .

فهل يريد الإخوان للعلمانيين إظهار سبهم واستهزائهم للإسلام وأن يكون ذلك مقننا محميا بالقانون؟!

وإن كان الإخوان يتحدثون عن حقوق الفنانين والممثلين وأهل الفجور والفساد في الحياة وإبداء فنهم وآرائهم، فقد وقعوا بذلك في مأزق عظيم، فهم إنما يسوغون بذلك الفساد والفجور والمجون باسم الحرية في إبداء الرأي ووجهة النظر والتعبير عن الرأي.

(ومن الأمانة أن نعترف جميعا بأن جزءا من المسئولية من هذا الخلط الظالم يقع على عاتق المسلمين لما يقدمه بعضنا من أفكار ورؤى، وما يمارسونه من مواقف عملية تشهد لهذا الظن السيئ وتفتح أبواب التوجس المشروع وغير المشروع وتنسب إلى الإسلام وسط ذلك كله أمورا لا أصل لها فيه، ولا شاهد لها من مبادئه وقواعده ونصوصه فضلا عن قيمه العليا ومقاصده الكبرى) .

لعل الإخوان يلمزون بقولهم هذا المجاهدين في سبيل الله، ويزعمون أنهم إنما يقدمون أفكارا ومواقف تساعد على إعطاء ظن سئ عن الإسلام أمام أعدائه، ويحاولون بذلك أن يدفعوا عن أنفسهم تهمة الجهاد في سبيل الله واصفين إياه بالعنف، ولا يعطي هذا الظن السئ والتوجس من الإسلام إلا أقوال الإخوان وأفعالهم، كما يتهمهم أعداؤهم بالتلون واللهث خلف المصلحة، فقد كانوا بالأمس حاملي الأسلحة ومفجري القنابل، كما في قضية السيارة الجيب التي حكم على مرشدهم الحالي فيها مصطفي مشهور بالسجن، ونريد أن يخبرنا الإخوان عن هوية قاتل النقراشي وواضع القنبلة في محكمة الاستئناف، أم أن الإخوان سيتبرؤون من المجاهدين الذين كانوا في صفوفهم كما فعل مرشدهم الأول حينما أصدر بيانا بعنوان"ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين"في حق المجاهدين؟!

إن الجهاد ليس تهمة ليتنصل منها الإخوان، إنما هو مفخرة لكل مسلم يشارك في إعلاء دين الله وقتال الكافرين، ويشهد لوجوب الجهاد مئات من النصوص الشرعية التي تحض على قتال الكافرين وتبين ما أعد الله للمجاهدين والشهداء، وأعظم هذا الجهاد ما كان موجها إلى اليهود والنصارى، ولا يجوز لمسلم أن ينكر الجهاد بحجة أنه لا أصل له ولا تشهد له مبادئ الإسلام وقواعده، ومن تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فسيجد حياة ملؤها حب الجهاد والشهادة في سبيل الله والخروج لملاقاة أعداء الله.

(وإذا كان الإخوان المسلمون قد رأوا أن من حق الناس عليهم وحقهم على أنفسهم أن يعلنوا بنبرة عالية وصوت جهير وحسم لا تردد فيه، موقفهم الواضح من عدد من القضايا الكبرى التي هي موضع الحوار القائم بين أصحاب الحضارات المختلفة، فأصدروا في العام الماضي بيانات تحدد موقفهم الصريح من قضايا الشورى والتعددية السياسية وحقوق المرأة) .

يحاول الإخوان المسلمون أن يوهموا الناس بأنهم أصحاب الحجة القوية والبرهان الساطع، ولذلك فهم يرفعون أصواتهم بما يريدون قوله ويعتقدون ما يقولونه بلا تردد، وسنحاكمهم إلى معتقدهم هذا ولن نفتري عليهم قولا.

ونحن لا نريد من الإخوان أن يعلنوا بنبرة عالية وصوت جهير وحسم لا تردد فيه موقفهم الواضح من القضايا الكبرى، ولكن نريد منهم ما داموا يزعمون أنهم جماعة إسلامية أن يعلنوا حكم الإسلام في هذه القضايا مدعما بالأدلة من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة، وليس كلاما إنشائيا مليئا بالسجع والكلمات الرنانة التي تعجب السامع وتشد القارئ فإذا أمعن النظر وجدها مخالفة للكتاب والسنة.

وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الرد على رأي الإخوان في بعض هذه القضايا، وبيان مخالفتها للكتاب والسنة وإن زعموا بعد ذلك أن موقفهم منتسب إلى الإسلام ملتزم بمبادئه صادر عن مصادره وعلى رأسها كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة الثابتة عن نبيه صلى الله عليه وسلم.

كلمة حضارة في عرف الناس اليوم كلمة مدح، ونحن لا نرى أي أمة غير الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى أو الشيوعيين أو غيرها من الملل الكفرية تستحق المدح والثناء، وأن توصف بالرقي والتقدم والحضارة.

فإن المسلم مهما بلغ به الفقر وضيق العيش فهو إنسان متحضر ما دام عبدا لله وحده يلتزم بالأخلاق والآداب التي حددها الشرع، ويتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه المولى عز وجل بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} .

أما الكافر الذي يعبد الهوى والشيطان والدولار ويقضي وقته في أنواع الفسق والفجور فلا يصح أن يوصف بأنه إنسان متحضر.

إن كثيرا من المسلمين الذين انبهروا بالغرب قد أعمتهم بعض زخارف الدنيا والتقدم المادي عن حقيقة الأشياء، فلو أنك رأيت كلبا أو خنزيرا يسكن أفخم القصور ويركب أحدث أنواع السيارات ويلبس من الثياب أحدث الموديلات ويأكل أشهى أنواع الطعام، فهل كل هذا سيخرج الكلب عن نجاسته وحيوانيته، وهل هذا سيخرج الخنزير عن بهيميته ودياثته؟!

(وإذا كانت هذه البيانات فيما نعلم قد لقيت قبولا عاما لدى المنصفين والباحثين عن الحقيقة، الذين يسعدهم أن يلتقي الناس جميعا على الخير والعدل والحق، فإن استمرار محاولات التشكيك وسوء الظن المتعمد واختلاق الأقاويل والأراجيف، إضرارا بالتيار الحضاري الإسلامي في عمومه وردا على من يحاربونه ويحرصون على إزاحته من الطريق يجعلنا نعود من جديد لنعلن في وضوح كامل موقفنا من القضايا الكبرى التي تشغل أمتنا وتشغل الناس من حولنا) .

إذا كان المنصفون والباحثون عن الحقيقة يسعدهم أن يلتقي الناس جميعا على الخير والعدل والحق، فإن هذه الألفاظ العامة يتفاوت الناس في فهمها حسب دينهم وعلمهم وثقافتهم وتربيتهم، فقد يكون العدل عند بعض الناس يعني المساواة بين الرجل والمرأة في الشهادة والميراث، وفي هذا رد صريح لأحكام القرآن.

وقد يكون العدل عند بعض الناس أن يتولى اليهود والنصارى والعلمانيون والشيوعيون المناصب والوزارات ويتولون توجيه الناس عملا بمبدأ تداول السلطة، ولعل ذلك ما يؤيده الإخوان كما سيظهر من بيانهم.

قد يكون الحق عند بعض الناس هو"الشريعة اليهودية"، وقد يكون الحق عند بعض الناس هو"الشريعة النصرانية"بحجة أن هذه أديان سماوية، وقد يكون الحق عند بعض الناس في اعتناق الشيوعية وإنكار الخالق سبحانه وتعالى، فهل يقر الإخوان هؤلاء على باطلهم؟

إننا ندعو الناس ويسعدنا أن يلتقوا على التوحيد الخالص والاستسلام لله رب العالمين والاحتكام لشرعه، ورد التنازع في كل قضية كبيرة كانت أو صغيرة للكتاب والسنة، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت