لقد شرع الله تعالى أحكاما تتعلق بأهل الكتاب امتلأت بها كتب الفقه وغيرها، ومن هذه الأحكام أن الله عز وجل فرض عليهم إماالإسلام، وإما دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما القتل، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
قال الإمام ابن قدامة عن الجزية: (والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب؛ فقول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [سورة التوبة: 29] .
وأما السنة؛ فما روى المغيرة بن شعبة أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند:"أمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم، حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" [67] .
وعن بريدة أنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال له:(إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".
في أخبار كثيرة.
وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة) [68] .
وقال أيضا في كلامه على أخذ الجزية من المجوس: (وقوله عليه السلام؛"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، في أخذ الجزية منهم إذا ثبت هذا فإن أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس ثابت بالإجماع، لا نعلم في هذا خلافا، فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا علي ذلك وعمل به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم إلى زمننا هذا [69] ، من غير نكير ولا مخالف، وبه يقول أهل العلم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم) [70] .
وقال الإمام ابن القيم: (أجمع الفقهاء؛ على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس) [71] .
قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} .
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: ( {عن يد} أي عن قهر لهم وغلبة، {وهم صاغرون} أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"، ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم) [72] ."
وقال الإمام الطبري: (وأما قوله: {وهم صاغرون} فإن معناه؛ وهم أذلاء مقهورون) [73] .
وقال الإمام ابن القيم: (فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله، والرق على رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون، بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة والله أعلم) [74] .
لقد تبين لك من هذا أن الله عز وجل فرق بين المؤمنين والكافرين فجعل العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كما قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يعلى) [75] .
وجعل الذلة على الكافرين ففرض عليهم إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ولم يسو بينهم.
وعلى العكس من ذلك تماما جاء في الدستور المصري [مادة: 40] : (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة) .
وإني لا أعجب من واضعي هذا الدستور؛ فإن كفرهم واضح، ولكن العجب كل العجب من جماعة الإخوان المسلمين ومما يذكرونه في بياناتهم وكتاباتهم مما يحاولون به استرضاء اليهود والنصارى.
وقد قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [سورة البقرة: 120] ، وقال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [سورة البقرة: 109] .
قال الحافظ ابن كثير: (يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم) [76] .
أبعد هذا نقول عنهم إخواننا المسيحيين، وإخوة في الكفاح الوطني الطويل؟! فإن الله عز وجل قال: {إنما المؤمنون إخوة} ، فجعل الرابطة أخوة الإيمان، لا أخوة الوطن والطين، أتجعلون العصبيات والقوميات مقدمة على الإيمان بالله ورسوله؟! ما لكم كيف تحكمون.
ونحن نسألكم ...
إذا جاءت جيوش المسلمين لفتح مصر وإزالة هذه الحكومة المرتدة العميلة، أتقاتلون بجوار إخوانكم"المسيحيين"إخوانكم في الكفاح الوطني الطويل ضد المسلمين؟ فإن قلتم؛"نعم"، فقد كفرتم بالله العظيم، وإن قلتم؛"لا"، فقد نقضتم قولكم الأول.
ولكن الأعجب من هذا كله قولهم في بيانهم الأول: (إن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها حلت محل مفهوم أهل الذمة) [77] .
هل حق المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الحكومات المرتدة لرعاياها نسخت القرآن والسنة وإجماع الأمة بإلزام أهل الذمة أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون؟
من قال ذلك؛ فقد كفر كفرا بواحا لا خفاء فيه، ومن قال؛ إن هذه الآيات والأحاديث وهذا الإجماع منسوخ، قلنا له؛ {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} .
وإن قلتم؛ نحن نجهل هذه الآيات والأحاديث وهذا الإجماع!
قلنا لكم؛ إن من بلغ به الجهل إلى هذا الحد لا ينبغي له أن يتصدى لقيادة جماعة إسلامية ولا أن يصدر بيانات للناس، حتى لا يدخل فيما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
وفي ختام كلامنا عن هذه النقطة نقول لهم ...
إذا كان"مجلس الشعب"له حق التشريع من دون الله تعالى، ورئيس الجمهورية له حق إصدار القوانين، فلذلك نسخوا أحكام الله تعالى المتعلقة بأهل الذمة، فهل كل الإخوان - أعضاء"مجلس الشعب"وغيرهم - لهم الحق أيضا في نسخ أحكام الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والتصديق على أحكام الكفر التي تصدرها الدولة؟! أم أنهم صدقوا أنفسهم أنهم أعضاء في"مجلس الشعب"وأن"مجلس الشعب"له حق التشريع من دون الله - كما نص على ذلك الدستور - فاعتبروا أن من حقهم نسخ الآيات والأحاديث وكلام العلماء ومن حقهم إصدار تشريعات جديدة؟!
أجيبونا رحمكم الله فإن أقوالكم وأفعالكم تجعل الحليم حيرانا، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
[67] أخرجه البخاري، ك: الجزية، ب: الجزية والموادعة مع أهل الحرب.
[68] المغني ج8/ 495،496، وحديث بريدة رواه مسلم، ك: الجهاد والسير، ب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته ... وكذلك رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.
[69] توفى الإمام ابن قدامه سنة 620هـ
[70] المغني ج8/ 498.
[71] أحكام أهل الذمة ج1/ 1، ط: دار العلم للملايين الطبعة الرابعة 1994.
[72] تفسير ابن كثير ج2/ 347.
[73] تفسير الطبري ج10/ 109.
[74] أحكام أهل الذمة ج1/ 18.
[75] رواه البخاري تعليقا، ك: الجنائز، ب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ورواه البيهقي موصولا في السنن الكبرى، ك: اللقطة، ب: ذكر بعض من صار مسلما بإسلام أبويه، وقال الحافظ في الفتح ج3/ 261: ورأيته موصولا مرفوعا ... أخرجه الدار قطني ومحمد بن هارون الروياني في مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزني بإسناد حسن.
[76] تفسير ابن كثير ج1/ 153.