(ومنهج الإسلام الذي يلتزم به الإخوان المسلمون؛ أن سياسة الناس بالعدل والحق والرحمة جزء من رسالة الإسلام، وأن إقامة شرائع الإسلام فريضة من فرائضه، ولكن الحكام في نظر الإسلام بشر من البشر، ليست لهم على الناس سلطة دينية بمقتضى حق إلهي) .
يحاكي الإخوان في قولهم هذا؛ أهل الكفر من يهود ونصارى وعلمانيين، وإلا فمن الذي زعم أن الحاكم المسلم له حق إلهي لا يجوز أن يخطئ ولا أن يُحاسب ولا أن يُناقش، وتاريخ المسلمين شاهد بأن الحكام كانوا يخضعون دائما لمحاسبة الرعية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُراجع كثيرا من أصحابه رضوان الله عليهم، وقد عرفنا كثيرا من الخلفاء يُراجعون ويُنصحون، ولم يدَّع أحد من خلفاء المسلمين على مر التاريخ أنه يحكم بمقتضى حق إلهي.
وإن من يثير هذا الكلام من العلمانيين إنما يريد أن يتفلت من الضوابط الشرعية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويريد أن يسقط حق السمع والطاعة للحاكم المسلم، ويريد إسقاط الحدود الشرعية التي تردع أهل الكفر والفجور.
فهل يوافق الإخوان هؤلاء العلمانيين على ما يريدون إثباته؟ إن الإخوان يحاولون أن يثبتوا للناس أنهم أصحاب"الإسلام المستنير"وأنهم غير هؤلاء المنغلقين والمتطرفين، فيوقعهم ذلك في أقوال ومواقف فاسدة بعيدة عن أحكام الإسلام وشرائعه، فنسأل الله الهداية والرشاد.
(وإنما ترجع شرعية الحكم في مجتمع المسلمين إلى إقامته على رضا الناس واختيارهم، وإلى مصلحة الشعوب، ليكون لها في الشئون العامة رأي ومشاركة في تقرير الأمور) .
لا ترجع شرعية الحكم في النظام الإسلامي إلى إقامته على رضى الناس على الإطلاق، وإنما بضوابط نذكر منها:
أولا:
لابد من معرفة الذين يُعتبر رضاهم، فالإسلام لا يُعطي الحق في اختيار الحاكم إلا لمن كان مسلما عدلا راجح العقل سليم النظر، ولا يعطي هذا الحق لكافر أو يهودي أو نصراني أو فاجر أو فاسق مستهين بحرمات الله تعالى، ولا يُعطي هذا الحق لعلماني أو شيوعي أو مرتد كما تفعل الدساتير الكافرة.
وليس رضى الناس هو مقياس شرعية الحاكم على الإطلاق، فقد يرضى الناس ويختارون رجلا من أهل الكفر أو الفسوق أو الإفساد، وقد يختارون امرأة تحكمهم، وكل ذلك لا يجوز في دين الله تعالى، ولذلك جعل للاختيار من يحسنونه وهم أهل الحل والعقد.
ثانيا:
من مقاييس شرعية الحاكم أن يحكم بما أنزل الله تعالى ولا يختار غير شريعة الإسلام شريعة ولا غير أحكام الإسلام أحكاما، فلا يجوز للحاكم وإن اختاره أهل الحل والعقد أن يحكم بغير شريعة الإسلام، وإلا أصبح كافرا مرتدا معزولا من منصبه، وإن لم يُعزل، ولا يصح له حكم ولا تجوز له طاعة، بل يجب القيام عليه وخلعه، ولأن رضى الناس عن مثل هذا الحاكم لا قيمة له ولا تأثير، بل لا يُعتبر للشعب الذي يرضى عن مثل هذا الحاكم رأي ولا نظر، لا كما يدعي الإخوان من إطلاق لا يصح.
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان حكم الحاكم الكافر، وأنه يجب جهاده والخروج عليه وخلعه، وتنصيب حاكم مسلم مكانه.
(وللناس أن يستحدثوا بعد ذلك من النظم والصيغ والأساليب لتحقيق هذا المبدأ ما يناسب أحوالهم وما لابد أن يتغير ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال الناس) .
هذا الإطلاق أيضا لا يصح هكذا، بل الصواب أن يُقيد هذا الكلام بقيد؛"عدم مخالفة الشريعة"، وإن كثيرا من الأساليب التي تتعلق بالحكم قد أوضحتها الشريعة المطهرة - والحمد لله - وذلك مثل؛ شروط الحاكم المسلم وواجباته، وطرق انعقاد الرياسات، وشروط الوزراء، وكيفية أخذ الآراء في المسائل الاجتهادية، إلى غير ذلك مما يتعلق بالحكم والولاية.
ثم إنه لا يصح للناس استحداث ما يرونه، بل ذلك موكول لأهل العلم بالشريعة منهم، فأهل العلم هم المقدمون في الناس، ومن يصدر الناس عن رأيهم، وهم أهل الشورى والرأي، فليس لكل الناس الحق في الاجتهاد في أمور السياسة والحكم، بل هذا منوط بالخاصة منهم، وهم أهل الفضل والعلم.
والله أعلم