(وإذا كان للشورى معناها الخاص في نظر الإسلام، فإنها تلتقي في الجوهر مع النظام الديمقراطي الذي يضع زمام الأمور في يد أغلبية الناس، دون أن يحيف بحق الأقليات على اختلافها في أن يكون لها رأي وموقف آخران، وأن يكون لها حق مشروع في الدفاع عن هذا الرأي، والدعوة إلى ذلك الموقف) .
لقد اشتهرت في العالم المعاصر كلمة"الديمقراطية"اشتهارا واسعا، وإن كثيرا من الأنظمة تنسب نفسها إلى الديمقراطية باعتبارها شيئا حسنا، ومن التعبيرات التي اشتهرت ونسبت إلى الديمقراطية؛"الديمقراطية الليبرالية"أو"البرجوازية"، و"الديمقراطية الاشتراكية"أو"الاجتماعية"، و"الديمقراطية التوتاليتارية"، و"الديمقراطية الصناعية"، و"الديمقراطية الشعبية"، وهنا يجد المسلم نفسه أمام سؤال لابد له من جواب ألا وهو؛ ما حكم الإسلام في الديمقراطية؟
ولكي نجد إجابة صحيحة عن هذا السؤال، فلابد من وقفة نبين فيها حقيقة الديمقراطية، حتى نستطيع أن نحكم عليها حكما صحيحا.
وفيما يلي سنبين بعض الأمور المتعلقة بالديمقراطية، ثم نبين حكمها ...
معنى الديمقراطية:
الديمقراطية: عرفت قديما عند اليونانيين، وأصل الكلمة اللاتيني من شقين [ DEMOS] أي الشعب، و [ KRAOS] أي الحكم أو السلطة [112] .
وورد في"القاموس السياسي": (ديمقراطية؛ كلمة يونانية الأصل تتكون من مقطعين، الأول بمعنى؛ شعب، والثاني بمعنى؛ حكم، ويقصد بالديمقراطية النظام السياسي الذي يكون فيه للشعب نصيب في حكم إقليم الدولة، بطريقة مباشرة أو شبه مباشرة) [113] .
وجاء في"موسوعة السياسة": (تقوم كل الأنظمة الديمقراطية على أساس فكري واحد، وهو أن السلطة ترجع إلى الشعب، وأنه هو صاحب السيادة، أي أن الديمقراطية في النهاية هي مبدأ السيادة الشعبية) [114] .
وجاء في الميثاق الوطني المصري، وهو من مواثيق ثورة"23 يوليو"، وقد صدر في 21 مايو 1962 ما نصه: (إن الديمقراطية هي توكيد السياسة للشعب، ووضع السلطة كلها في يده، وتكريسها لتحقيق أهدافه) [115] .
وورد أيضا في معنى الديمقراطية أنها: (اصطلاح يستعمل في الغرب في أغلب الأحوال بالمعنى الذي أعطته إياه الثورة الفرنسية، ويشمل المضمون الواسع لهذا المصطلح؛ حق الشعب المطلق في أن يشرع لجميع الأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه، وعلى هذا فإن إرادة الشعب التي انبثقت عن النظام الديمقراطي تعني من الوجهة النظرية على الأقل؛ أن هذه الإرادة ذاتٌ حرة لا تتقيد مطلقا بقيود خارجية، فهي سيدة نفسها، ولا تسأل أمام سلطة غير سلطتها) [116] .
وورد أيضا في معنى الديمقراطية: (الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب، وتطلق على نظام الحكم الذي يكون الشعب فيه رقيبا على أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية، ويكون لنواب الأمة سلطة إصدار القوانين) [117] .
أي أن التعريف البسيط للديمقراطية هو: (حكم الشعب بالشعب وللشعب) [118] ، وليست الديمقراطية هي حكم الشعب فقط، بل إن"السيادة للشعب وحده"لا شريك له، كما جاء في نص الدستور المصري لسنة 1971 [مادة: 3] ، وقد بينت المادة الأولى أن؛"جمهورية مصر العربية دولة ذات نظام اشتراكي ديمقراطي، يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة" [119] .
ورغم ما تحتوي عليه هذه الأقوال في معنى الديمقراطية من مخالفات للشرع، خاصة أن الديمقراطية تجعل السيادة للشعب وحده، أما الإسلام فيجعل السيادة لله وحده لا شريك له، وهذا فيه تناقض واضح بين الإسلام والديمقراطية، ورغم ذلك فإن كثيرا من المنهزمين أمام الغرب، قد مدح الديمقراطية واعتبر أن الديمقراطية هي الشورى، بل قال أحدهم: (لا جرم إذن أن يقال إن الإسلام أبو الديمقراطية) [120] .
متى بدأت فكرة الديمقراطية:
لقد تبين لك مما ذكرناه من قبل في معني الديمقراطية؛ أنها كلمة يونانية الأصل، فالديمقراطية"تعود بجذورها إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو وإلى التطبيق الأثيني" [121] .
"وأول من مارس الديمقراطية؛ هم الإغريق في مدينتي أثينا وإسبرطة، حيث كانت تقوم في كل من المدينتين حكومة يطلق عليها اصطلاحا اسم"حكومة المدينة"، أي الحكومة التي تقوم في مدينة واحدة مفردة، وكان كل أفراد الشعب من الرجال في كل من المدينتين يشاركون في حكم المدينة، فيجتمعون في هيئة"جمعية عمومية"، فيتشاورون في كل أمور الحكم، فينتخبون الحاكم ويصدرون القوانين ويشرفون على تنفيذها ويضعون العقوبات على المخالفين" [122] .
ولكن مع أن هذا اللفظ قديم إلا أنه؛"لم يتداول على نطاق واسع في الوطن العربي إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ويلفت النظر أن كتابات المفكرين العرب في القرن التاسع عشر تكاد تكون خلوا منه" [123] .
"والديمقراطية ظهرت في أوربا كنظام حاكم إثر الثورة الفرنسية، نتيجة للظلم الكنسي والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة، بمقتضى الحق الإلهي المقدس المزعوم بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية ... فجاءت الديمقراطية ناقمة على كل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لموقف الكنيسة، التي كانت تدعي أنها سلطان الله في الأرض، وحقها على العباد هو حق الله، وليس لأحد غيرها الحق في التكلم نيابة عن الله!" [124] .
مما سبق يتبين؛ أن الديمقراطية ليس لها أي علاقة بأي شريعة سماوية، وإنما هي نظام من وضع البشر بدأ عند الإغريق.
أما في العصر الحديث؛ فقد قامت الديمقراطية في أوروبا ضد الظلم الكنسي، فعادت الكنيسة خصوصا والدين عموما، فهل يصح لقائل أن يقول بعد ذلك؛"لا جرم إذن أن يقال إن الإسلام أبو الديمقراطية"، أو يقول قائل؛"إن لب الديمقراطية من صميم الإسلام"؟!
الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية:
من أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية:
1)مبدأ سيادة الأمة.
2)سيادة القانون.
3)رأي الأغلبية.
4)إلحقوق والحريات العامة.
5)فصل الدين عن الدولة وعن حياة الناس.
وسنورد الحديث تفصيلا عن هذه الأسس، كما يلي ...
[112] راجع: الإسلاميون وسراب الديمقراطية لعبد الغني الرحال، والاتجاهات الفكرية المعاصرة لعلى جريشة هامش ص: 121، والدستور المصري ـ دستور 1971 ـ لإبراهيم عبد العزيز شيحا ص: 24، والديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية لمحمود الخالدي.
[113] القاموس السياسي لأحمد عطية، ص: 547، ط: دار النهضة العربية القاهرة 1968.
[114] موسوعة السياسة ج2/ 756، إعداد د. عبد الوهاب الكيالي.
[115] الفكر الديمقراطي والحياة النيابية في مصر لصلاح زكي، ص14، ط: مطابع الشروق
[116] منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد نقلا عن كتاب الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية، لمحمود الخالدي، ص18، ط: مكتبة الرسالة الحديثة.
[117] مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: 178، دار الشروق.
[118] الفكر الديمقراطي والحياة النيابية في مصر لصلاح زكي، ص6، والدستور المصري ص24.
[119] لقد زدنا كلمة ذات نظام ليستقيم المعنى.
[120] انظر كلام كل من: د. محمد عبد الله العربي، شكيب أرسلان، د. محمد ضياء الدين الريس، مصطفى الشكعة، الشيخ سيد سابق في كتاب الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية، ص9،10،11.
[121] أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ص38، ط: مركز دراسات الوحدة العربية.
[122] مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: 178.
[123] أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ص117.
[124] حكم الإسلام في الديمقراطية لعبد المنعم مصطفى حليمة، ص11.