إذا كان مبدأ سيادة الأمة - الشعب - من أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، لأن الديمقراطية باختصار - كما ذكرنا من قبل - هي حكم الشعب أو سلطة الشعب، فإن سيادة القانون أيضا من أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، لأن هذا القانون من وضع الشعب صاحب السيادة المطلقة، لذلك ينبغي تقديسه واحترامه ورد التنازع إليه، وقد ورد في [المادة: 84] من دستور سنة 1956م: (لا يصدر قانون إلا إذا قرره مجلس الأمة، ولا يجوز تغيير مشروع قانون إلا بعد أخذ الرأي فيه؛ مادة مادة) .
وقد ورد نفس المادة في دستور سنة 1958م [المادة: 22] ، ودستور سنة 1964م [المادة: 68] ، فسيادة القانون نابعة من سيادة الأمة التي وضعت هذا القانون.
ومما يؤكد سيادة القانون ما ورد في [المادة: 64] من دستور سنة 1971م: (سيادة القانون أساس الحكم في الدولة) ، ويؤكد هذه المادة ما جاء في [المادة: 66] من نفس الدستور: (ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون) [127] ، حتى لو كانت هذه العقوبة وردت في الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء الأمة.
لذلك عندما أصدر المستشار محمود غراب - القاضي المصري - حكما بالجلد ثمانين جلدة على رجل ضبط بحالة سكر بين بالطريق العام، لم ينفذ هذا الحكم، واعتبر هذا الحكم باطلا، رغم أنه وافق السنة، لأنه خالف سيادة القانون بزعمهم!
بل واعتبر هذا الحكم مأخذا قضائيا ضد المستشار محمود غراب، وأرسلت إليه وزارة العدل الإدارة العامة للتفتيش القضائي مأخذا قضائيا رقم [5 - 81 - 1981] ، تبين فيه بطلان هذا الحكم حيث قالت: (ويؤخذ على هذا الحكم؛ أنه لما كان من المقرر أنه لا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا عن الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، وأن العقوبات قد حصرها وليس من بينها ما قضى به الحكم بجلد المتهم، فإنه يكون قد خالف القانون، مما يصمه بالبطلان) [128] .
وهذا يؤكد ما ذكرنا؛ من أن سيادة القانون فوق سيادة الشرع، وحكم القانون فوق حكم الشرع، وحكم البشر فوق حكم خالق البشر، فهل هناك كفر أعظم من هذا الكفر؟
هل الإدارة العامة للتفتيش القضائي بوزارة العدل - وعلى رأسها وكيل الوزارة لشئون التفتيش القضائي - تجهل أن الحكم بالجلد على شارب الخمر هو حكم الشرع؟ لا أظن أن عاقلا يقول ذلك.
إن أمثال هؤلاء يعلمون علم اليقين؛ أن الحكم بالجلد على شارب الخمر هو حكم الشرع، ولكنهم مع ذلك وصفوه بالبطلان لأنه ورد في [المادة: 66] : (ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون) ، وما دام القانون ليس فيه عقوبة الجلد، فإذا أصدر القاضي الحكم بالجلد فيكون حكمه باطلا، كما ادعت وزارة العدل!
إن هؤلاء لا يجهلون حكم الشرع، ولكنهم كانوا صرحاء مع أنفسهم ومع اعتقاداتهم الباطلة، فإن سيادة القانون عندهم فوق سيادة القرآن والسنة، فإذا تعارض حكم القانون مع حكم الشرع كان حكم الشرع باطلا! فهل يقول ذلك مسلم؟
ويؤكد هذا الكفر ما قاله المستشار سعد العيسوي - رئيس محكمة استئناف الإسكندرية - تحت عنوان"إن صح ما قرأت فهو خطأ في تطبيق القانون": (ثانيا؛ إن من قضى بهذا الحكم وإن صح، فقد خالف الدستور، وهو نص [المادة: 66] ؛"ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون"، ولا يقال في ذلك؛ إن حد السكر شرعا هو الجلد، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق، ذلك لأن المشرع - وحتى الآن - يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلفت مع معتقده الديني أو السياسي، وأفصح المشرع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني؛ بأن القاضي يطبق القانون، فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة؛ طبق العرف، وإن لم يجد؛ طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد؛ طبق القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فجنائيا لا يجوز ولا يقبل من القاضي أن يجرم فعلا لا ينص القانون على اعتباره جريمة، ولا يجوز له أو يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون) [129] .
أقول: إن هذا الكلام من هذا المستشار صريح في الكفر والضلال.
ولكن ما نريد التأكيد عليه هنا؛ هو أن سيادة القانون الذي وضعه البشر عندهم فوق سيادة الشرع الذي وضعه خالق البشر، بل إن سيادة العرف أيضا فوق سيادة الشرع، وهذا يتضح من قول هذا المستشار المأخوذ من القانون المدني: (وأفصح المشرع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني بأن القاضي يطبق القانون، فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة؛ طبق العرف، وإن لم يجد طبق؛ أحكام الشريعة) .
فهل يجرؤ أن يقول ذلك إلا كافر معلن بالكفر؟! اللهم إنا نبرأ إليك من الكفر وأهله، كما نبرأ إليك من كل من يقدم أو يرفع قولا أو قانونا أو دستورا فوق شرع الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الإسلام يعلو ولا يعلى) ، فكل من يعلي قانونا فوق كتاب الله أو سنة رسول الله؛ فنحن بريئون منه ومما يقول ويفعل، وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من يؤيد هذا الكفر، أو يعلي من شأنه، أو يدافع عنه.
[127] وردت نفس المادة في دستور 1923م، مادة: 6.
[128] انظر تفصيلات هذه القضية في كتاب أحكام إسلامية إدانة للقوانين الوضعية للمستشار محمود غراب.
[129] جريدة أخبار اليوم 19/ 4/1982، وقد نقل هذا المقال محمود غراب في كتابه أحكام أسلامية إدانة للقوانين الوضعية.