الصفحة 25 من 44

ويعني هذا الأساس إن أي أمر من الأمور لابد أن يخضع للتصويت، وإن الحق الذي يجب تنفيذه هو رأي الأغلبية، حتى لو كان مخالفا للكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، لأن سلطة الشعب في النظام الديمقراطي فوق أي سلطة، فقد جاء في المادة الثالثة من الدستور المصري: (السيادة للشعب وحده) ، وهذا الأساس باطل شرعا من عدة وجوه:

إن كل شيء في النظام الديمقراطي يخضع للتصويت، حتى لو كان هذا الأمر تطبيق شرع الله، فهذا من أعظم الباطل ومن الجرأة على دين الله عز وجل، كيف يعرض دين الله الخالق القادر الذي وسع علمه كل شيء على الإنسان المخلوق الضعيف الذي لم يؤت من العلم إلا قليلا، ليقول رأيه؛ هل نقبل شرع الله أم لا؟

وإن كان هذا جائزا في النظام الديمقراطي لأنه ورد في [المادة: 86] : (يتولى"مجلس الشعب"سلطة التشريع) ، وفي [المادة: 3] : (السيادة للشعب وحده) ، فإنه لا يجوز في دين الله تعالى فإن التشريع حق خالص لله تعالى، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} ، فالله تعالى هو المشرع وهو الحكم وأمر الله واجب التنفيذ لا يخضع لآراء البشر قبل تنفيذه.

إن المرجع في الإسلام للكتاب والسنة وليس للأغلبية، فإن الأغلبية قد تخطئ وقد يغلبها الهوى وشهوات النفس، أما الكتاب والسنة فلا يخطئان، وقد أمرنا الله تعالى برد التنازع إليه وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرنا برد التنازع لحكم الأغلبية، قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [سورة الشورى: 10] ، وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [سورة النساء: 59] .

وإذا اختلف المسلمون في شيء لم يرد في الكتاب والسنة، فالمرجع إلى العلماء وليس إلى الأغلبية، فإذا كان"مجلس الشعب"- على افتراض صحة هذا العمل - به [100] عضو، منهم [30] عالما من علماء المسلمين، [70] من اليهود والنصارى وفساق المسلمين، وعرض هذا الأمر على المجلس، فكان رأي العلماء في جانب وبقية المجلس في جانب، فهل نترك رأي [30] عالما من كبار العلماء والفقهاء؛ الذين أجمعوا على أمر ما لأن غالبية المجلس من اليهود والنصارى وأهل الفسق كانوا على رأي آخر؟! فإن هذا أمر باطل وبطلانه أوضح من أن نرد عليه.

إن الحق لا يكون دائما مع الأغلبية كما يدعي الديمقراطيون، فقد قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [سورة الأنعام: 116] ، وقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [سورة الرعد: 1] ، وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [سورة يوسف: 103] ، وقال تعالى: {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} [سورة الصافات: 71] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه ابن عباس رضي الله عنه: (عُرِضت علىَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد ... الحديث) [130] .

فهل كان هؤلاء الأنبياء على باطل وكان الحق مع أغلبية الناس الذين هم على الكفر؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم على باطل وكفار قريش على الحق في أول الدعوة؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمن معه أول الدعوة إلا قليل، وكان أهل الأرض على الكفر والضلال، فهل كانوا على حق لأنهم الكثرة؟

ولنضرب للذين لا يؤمنون بالكتاب والسنة منهجا ولا هدىً مثالا عقليا واقعيا على خطأ مذهبهم في العمل برأي الأغلبية، فنقول لو أن"مجلس الشعب"به 49% من النواب من أكبر رجال الاقتصاد في الدولة، فهم من حيث الدراسة حاصلون على أعلى الشهادات في الاقتصاد، ومن حيث الخبرة العملية فهم ذوو خبرة عالية وتجارب كثيرة، وبقية أعضاء المجلس وهم 51% عبارة عن عمال وفلاحين وفنانين وأطباء، وعرض على هذا المجلس مشروع اقتصادي لإقراره والتصويت عليه، فأجمع أهل الاقتصاد - وهم يشكلون 49% - على رأي، وأجمع بقية المجلس على رأي آخر، فلا شك أن رأي الأغلبية هو الصحيح في النظام الديمقراطي، فهل يقول عاقل إننا نقدم رأي الفلاحين والعمال والفنانين على رأي أهل الخبرة والعلم في شيء من صميم اختصاصهم؟ أجيبونا يا معشر العقلاء!

ونقول لهؤلاء الذين يعبدون الأغلبية ويتخذونها مشرعا من دون الله، ويحسبون أنها على شيء؛ أليست الأغلبية في الديمقراطية هي التي شرعت فوضى الجنس؟ أليست الأغلبية في البرلمان الإنجليزي هي التي أباحت الشذوذ الجنسي وقررت أنه علاقة حرة لا ينبغي التدخل في شأنها؟ أليست الأغلبية هي التي أباحت الربا؟

قال الشيخ محمد قطب:(وخذ مئات من التشريعات التي شرعها البشر كلهم في الجاهلية المعاصرة وانظر آثارها في حياتهم؛ الجنون والقلق والأمراض النفسية والعصبية، والانتحار، وإدمان الخمر والمخدرات، والجريمة، وتشرد الأطفال وجنوحهم إلى جانب الفردية الجامحة، وتفكك الأسرة، وتفكك المجتمع، وقتل المشاعر الإنسانية، وتحويل الإنسان إلى حيوان آلي، تدير الآلة نصف حياته وتدير بقيتها الشهوات.

ذلك كله حين يشرع البشر لأنفسهم، ولو شرعوا كلهم مجتمعين متناسقين بلا تظالم ولا صراع! ذلك أن البشر بطبيعتهم يتصفون بالقصور والجهل والعجز عن الإحاطة، والعجز عن رؤية النتائج الكاملة المترتبة في المستقبل على أعمالهم الحاضرة، فحين يتجاوزون الاجتهاد فيما أذن الله بالاجتهاد فيه، ويحلون ويحرمون بغير ما أنزل الله، تقع تلك الفوضى الضاربة أطنابها، ويقع ذلك الشقاء المرير الذي يملأ وجه الأرض) [131] .

ومن الأمثلة الصارخة الدالة على أن حكم الأغلبية فوق شرع الله تعالى في النظام الديمقراطي؛ أن تطبيق الشريعة يعرض على"مجلس الشعب"لأخذ الآراء حوله، هل يوافقون على تطبيق شرع الله أم لا؟! فأي كفر أعظم من هذا؟

[130] رواه أحمد والبخاري ومسلم.

[131] مذاهب فكرية معاصرة، ص229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت