(ومن المفارقات المحزنة أن توجه إلى المسلمين تهمة الاستخفاف بحقوق الإنسان والجور عليها وتهديدها في عصر يتعرض فيه المسلمون شعوبا وحكومات وجماعات وأفرادا لألوان غير مسبوقة من العدوان على أبسط حقوقهم وأيسر حرياتهم، وهم يرون الحكومات والساسة في دول العالم الكبرى يكيلون بمكيالين ويزنون الأمور والمواقف بميزانين ميزان يتحرى العدل والإنصاف والالتزام بمواثيق حقوق الإنسان حين تتصل الأمور بغير المسلمين وميزان يظلم ويجور ويبرر العدوان حين تتصل الأمور بشعب من شعوب المسلمين أو حكومة من حكوماتهم وما أنباء البوسنة والهرسك ومأساة الشيشان منا ببعيدة ولعل من القول المعاد أن نذكر أنفسنا، ونذكر العالم معنا بأن الإسلام كما نعلم قد كان ولا يزال النموذج الفكري والسياسي الوحيد الذي كرم الإنسان والإنسانية مرتفعا بهذا التكريم فوق اختلاف الألسنة والألوان والأجناس وإنه منذ اللحظة الأولى لمجيئه قد عصم الدماء والحرمات والأموال والأعراض، وجعلها حراما) .
هذا الإطلاق غير صحيح، فإن الله تعالى عصم دماء المسلمين وأموالهم، ولم يعصم دماء الكفار والمرتدين.
والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسي وماله إلا بحقه وحسابه على الله) [258] .
قال الإمام النووي: (وفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه، ولو كان عند السيف) [259] .
(جاعلا من الالتزام المطلق فريضة دينية وشعيرة إسلامية لا يسقطها عن المسلمين إخلال الآخرين {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ، وإذا كان بعض المسلمين هنا أو هناك الآن أو بعض ما مضى من الزمان لم يضعوا هذه الفريضة الإسلامية موضعها الصحيح وقصروا في أدائها للناس فإن ممارسات هؤلاء لا يجوز أن تحسب على الإسلام أو تنسب إليه، وقد تعلمنا أن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال، لكن بقى هنا كذلك أن نقول لأنفسنا ولكل الآخذين عنا وللدنيا من حولنا: إننا في مقدمة ركب الداعين إلى احترام حقوق الإنسان، وتأمين تلك الحقوق للناس جميعا وتيسير سبل ممارسة الحرية في إطار النظم الأخلاقية والقانونية، إيمانا بأن حرية الإنسان هي سبيله إلى كل خير وإلى كل نهضة وكل إبداع، إن العدوان على الحقوق والحريات تحت أي شعار ولو كان شعار الإسلام نفسه، يمتهن إنسانية الإنسان، ويرده إلى مقام دون المقام الذي وضعه فيه الله ويحول بين طاقاته ومواهبه ... لكننا ونحن نعلن هذا كله نسجل أمام الضمير العالمي أن المظالم الكبرى التي يشهدها هذا العصر إنما تقع على المسلمين ولا تقع من المسلمين، وأن على العقلاء والمؤمنين في كل مكان أن يرفعوا أصواتهم بالدعوة إلى المساواة في التمتع بالحرية وحقوق الإنسان فهذه المساواة هي الطريق الحقيقي إلى السلام الدولي والاجتماعي وإلى نظام عالمي جديد يقوم الظلم والأذى والعدوان، هذا كتابنا في يميننا وهذه شهادتنا بالحق على أنفسنا وهذه دعوتنا بالحكمة والموعظة الحسنة إلى صفحة جديدة في علاقات الناس والشعوب ننتزع بها جذور الشر ويفئ بها الجميع إلى ساحة العدل والحرية والسلام، {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الإخوان المسلمون).
[258] أخرجه البخاري: ك: الجهاد، ب: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة، ومسلم، ك: الإيمان، ب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله.
[259] شرح النووي على مسلم ج1/ 326، وانظر شرح الحديث في جامع العلوم والحكم حديث رقم: 8.