الصفحة 8 من 44

(وأولى هذه القضايا؛ قضية الموقف العام من الناس جميعا مسلمين وغير مسلمين: وهنا نبادر فنقول: إن موقفنا من هذه القضايا ومن غيرها ليس مجرد موقف انتقالي واختباري قائم على الاستحسان وإنما هو موقف منتسب إلى الإسلام ملتزم بمبادئه صادر عن مصادره ... وعلى رأسها كتاب الله تعالى والسنة الصحيحة الثابتة عن نبيه صلى الله عليه وسلم) .

سيتبين للقارئ - إن شاء الله تعالى - هل موقف الإخوان في هذه القضايا موافق للكتاب والسنة أم لا؟

(والإخوان المسلمون يرون الناس جميعا حملة خير، مؤهلين لحمل الأمانة والاستقامة على طريق الحق) .

مقتضى قول الإخوان؛ (أنهم يرون الناس جميعا حملة خير) ، دخول اليهود والنصارى في هذا القول، وفي هذا من المخالفة لنصوص القرآن والسنة الكثير، إن هذا الكلام مناقض لقول الله تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [سورة البينة: 6 - 7] .

فقد جعل الله تعالى المؤمنين خير البريَّة وجعل الكافرين شر البريَّة، فكيف جعل الإخوان المسلمون"جميع الناس حملة خير"؟! أيتساوى خير البريَّة مع شر البريَّة؟

ثم نقول للإخوان ...

هل اليهود قتلة الأنبياء ناقضو العهود الذين لعنهم الله في أكثر من موضع في كتابه الكريم من حملة الخير؟ قال تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} [سورة البقرة: 100] ، وقال تعالى: {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [سورة آل عمران: 112] ، وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [سورة المائدة: 78] ، وقال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} [سورة المائدة: 64] .

وهل اليهود الذين اغتصبوا أراضي المسلمين وأقاموا دولة اليهود على أرض فلسطين بالحديد والنار، وما فعلوه من مذابح صبرا وشاتيلا والمسجد الإبراهيمي يدخلون تحت قولكم"والإخوان المسلمون يرون الناس جميعا حملة خير"؟! فإن كلامكم هذا مخالف لصريح القرآن.

وهل النصارى الذين عذبوا المسلمين في الأندلس فيما يسمى بمحاكم التفتيش وهي من أفظع ما عرفته البشرية من ألوان التعذيب يدخلون تحت قولكم هذا؟ وهل النصارى في البوسنة والهرسك الذين قتلوا وشردوا المسلمين وهتكوا أعراض المسلمات يدخلون تحت هذا القول؟

وهل المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعداوة للإسلام {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين} [سورة النساء: 141] ، هل هؤلاء من حملة الخير؟ وقد قال تعالى فيهم {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [سورة النساء: 142] ، فهل من يخادع الله تعالىيعد من حملة الخير؟

وقد قال تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [سورة التوبة: 73] ، فهل يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمجاهدة حملة الخير؟ بل يأمره أن يبشرهم بالعذاب الأليم حيث يقول تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} [سورة النساء: 138] .

وهل الكفار الذين قال الله تعالى عنهم {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [سورة الأنفال: 36] يعدون من حملة الخير؟

إن القرآن الكريم يفيض بالآيات التي تمدح المؤمنين وتذم الكافرين والمنافقين، ولم يسو الله تعالى بين المؤمنين والكافرين، ولم يجعل الناس جميعا حملة خير كما يقول الإخوان، فمن أين جاءوا بهذا الكلام؟ وقد قال الله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} [سورة القلم: 35 - 36] .

( ... وهم لا يشغلون أنفسهم بتكفير أحد، إنما يقبلون من الناس ظواهرهم وعلانيتهم ولا يقولون بتكفير مسلم مهما أوغل في المعصية، فالقلوب بين يدي الرحمن، وهو الذي يؤتي النفوس تقواها ويحاسبها على مسعاها، ونحن الإخوان نقول دائما: إننا دعاة ولسنا قضاة، ولذا لا نفكر ساعة من زمان في إكراه أحد على غير معتقده أو ما يدين به ونحن نتلو قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} ) .

ونحن أيضا نقبل من الناس ظواهرهم وعلانيتهم، وقد أجمع العلماء على معاملة المنافق معاملة المسلم ما دام ظاهره الإسلام ولم يرتكب كفرا ظاهرا.

ولكننا نريد أن نسأل سؤالا ...

هل الحكومة المصرية التي تركت شرع الله وراء ظهرها واستبدلت به أحكاما كفرية مستوردة من الشرق والغرب وأعلنت الحرب على المسلمين، تسومهم سوء العذاب وتلقي بهم في السجون والمعتقلات وتعقد المحاكمات العسكرية لقتل الشباب المسلم بسبب إسلامهم، بل تقتلهم جهارا نهارا في البيوت والشوارع.

وفي المقابل تعقد معاهدات الذل والاستسلام مع اليهود وتوالي الأمريكان موالاة تامة، فهل هؤلاء ظاهرهم الإسلام؟ وإذا كنتم لا تشغلون أنفسكم بتكفير أحد، فنحن نكفر من كفره الله ورسوله وعلماء الأمة الأثبات فهل في هذا غضاضة؟

وقد قال أبو محمد الحسن البربهاري رحمه الله: (ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل أو يرد شيئا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، فإذا لم يفعل شيئا من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة) [41] .

وقال الغزالي رحمه الله: (فيجب تكفير من يُغيّر الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في الآخرة، بظنون وأوهام فاسدة فيجب تكفيره قطعا ... ) ، إلى أن قال: (كذلك يجب تكفير من قال منهم؛ إن الله تعالى لا يعلم إلا نفسه أو لا يعلم إلا الكليات، فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها لأن ذلك تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعا) [42] .

وقد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد رأى كفرا بواحا - كالشرك بالله وعبادة ما سواه والاستهزاء به تعالى أو بآياته أو رسله، أو تكذيبهم أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك - فالمكفر بهذا أو أمثاله مصيب مأجور مطيع لله ورسوله) [43] .

ونحن نسأل سؤالا: إذا رأيتم وسمعتم رجلا يقول أقوالا صريحة في الكفر لا تحتمل التأويل، فهل تقولون هذا ليس كفرا؟ أم تسمون ما يقوله هذا الرجل من الكفر إسلاما؟

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (فمن سمى الكفر إسلاما، أو سمى الكفار مسلمين؛ فهو كافر) ، وقال أيضا: (من شك في كفر الكفار فهو كافر) [44] .

وقد سئل أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ ما قولكم في رجل دخل هذا الدين وأحبه، لكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم؟ أو قال؛ أنا مسلم ولكن لا أستطيع أن أكفر أهل لا إله إلا الله ولو لم يعرفوا معناها؟ ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول؛ لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر ولكن لا أتعرضها؟

فكان الجواب: (أن الرجل لا يكون مسلما إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به، فمن قال؛ لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال؛ لا أتعرض أهل لا إله إلا الله ولو فعلوا الكفر والشرك، وعادوا دين الله، أو قال؛ لا أتعرض القباب، فهذا لا يكون مسلما، بل هو ممن قال الله: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} ، والله سبحانه وتعالى أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم وتكفيرهم) [45] .

فتكفير الكفار الذين أتوا من الأقوال والأفعال ما يوجب تكفيرهم؛ هو مذهب أهل العلم من أهل السنة، وأما من يمتنع عن تكفير الكفار فهو إما جاهل لا يجوز له أن يخرج بيانات للناس، أو ضال يرد كلام الله ورسوله، أو من أهل الإرجاء الذين يرون أن الإيمان هو التصديق فقط أو التصديق مع الإقرار ولا يضر مع الإيمان شئ، وهذا مذهب باطل بإجماع سلف الأمة.

(وموقفنا من إخواننا المسيحيين في مصر والعالم العربي؛ موقف واضح وقديم ومعروف، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهم شركاء في الوطن وإخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطنة المادي منها والمعنوي المدني منها والسياسي) .

ورد في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا) .

وقد أصبح أكثر المسلمين يجهلون أحكام الولاء والبراء ولذلك فقد اتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين يحبونهم وينصرونهم ويتخذونهم وزراء وسفراء، ويتشبهون بهم في زيهم وأعيادهم وعاداتهم وتقاليدهم، مع أن الشرع قد حذر من ذلك أشد التحذير، وفي ردنا على هذا المقطع من البيان سنذكر بعض الآيات والأحاديث التي وردت في النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء، ونبين أن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، ونذكر كلام العلماء في هذا.

[41] شرح السنة لأبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، بتحقيق الدكتور محمد سعيد القحطاني / 31، ط دار ابن القيم.

[42] فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة للغزالي / 80 ـ 81.

[43] الرسائل المفيدة ص388.

[44] رسالة أوثق عرى الإيمان ضمن كتاب مجموعة التوحيد ج1/ 160.

[45] رسالة سبيل النجاة والفكاك ضمن كتاب مجموعة التوحيد ج1/ 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت