تحب على محبته بلا عصيان ... 1) قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [سورة المجادلة: 22] .
قال الإمام القرطبي: (بين أن الإيمان يفسد بموالاة الكفار وإن كانوا أقارب) [46] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} ، وقوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} ؛ بين سبحانه أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه، وانتفاء أضداده، ومن أضداده موادة من حاد الله ورسوله، ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد) [47] .
وقال الحافظ ابن كثير: (وقد قيل في قوله تعالى: {ولو كانوا آباءهم} نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر، {أو أبناءهم} في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، {أو إخوانهم} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، {أو عشيرتهم} في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، فالله أعلم) [48] .
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} ) [49] .
2)قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} [سورة التوبة: 23] .
قال الإمام الطبري: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله؛ لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام) [50] .
وقال الإمام القرطبي: (ظاهر هذه الآية أنها خطاب لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاء الكفر، فالمخاطبة على هذه الآية إنما هي للمؤمنين الذين كانوا بمكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بألا يوالوا الآباء والإخوة فيكونوا لهم تبعا في سكنى بلاد الكفر، وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} ، قال ابن عباس؛ هو مشرك مثلهم، لأن من رضي بالشرك فهو مشرك) [51] .
3)قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [سورة آل عمران: 28] .
قال الإمام الطبري: (ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني بذلك، فقد بريء من الله، وبريء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل) [52] .
4)قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [سورة المائدة: 51] .
قال الإمام القرطبي: (قوله؛ {ومن يتولهم منكم} أي يعضدهم على المسلمين، {فإنه منهم} بين تعالى أن حكمه حكمهم، قوله؛ {بعضهم أولياء بعض} أي في النصرة، قوله؛ {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، شرط وجوابه، أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي من أصحابهم) [53] .
وقال الإمام الجصاص: (وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في النصرة، ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم لأن الولاية ضد العداوة فإذا أُمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم، ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} ) [54] .
وقال الإمام الشوكاني: (ووجه تعليل النهي بهذه الجملة؛ أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال؛ {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية، وقوله؛ {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ، تعليل للجملة التي قبلها أي أن وقوعهم في الكفر هي بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين، وقال أيضا قوله؛ {يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم} ، قرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام، وهي لغة تميم، وقرأ غيرهم بالإدغام، وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة) [55] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - بعد أن ذكر بعض آيات الموالاة: (فليتأمل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات وليبحث عما قاله المفسرون وأهل العلم في تفسيرها وتأويلها، وينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم فإنه يتبين له إن وفق وسدد أنها تتناول من ترك جهادهم وسكت عن عيبهم وألقى إليهم السلم، أو أثنى عليهم، أو فضلهم، بالعدل على أهل الإسلام، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، وأحب ظهورهم، فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق قال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ) .
وقال أيضا: (وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام؛ نصرة أعداء الله ومعاونتهم، والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم وعقدة الأخوة والطاعة لهم وما هو دون ذلك من تكثير سوادهم ومساكنتهم ومجامعتهم) [56] .
وقال الشيخ حمد بن عتيق: (فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلما بذلك، إذ ترك دين جميع المرسلين) [57] .
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله:(وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من عاداه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، واقتفاء أثره وقبول هداه، ويقول ابن القيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من
فك ما يحب فأنت ذو بهتان ... فإذا ادعيت له المحبة مع خلا
حبا له ما ذاك في إمكان ... أتحب أعداء الحبيب وتدعي
أين المحبة يا أخا الشيطان ... وكذا تعادي جاهدا أحبابه
مع خضوع القلب والأركان) [58] . ... ليس العبادة غير توحيد المحبة
وقال الشيخ محمد نعيم ياسين: (فإنه ورد في القرآن آيات كثيرة جدا تفرض على المؤمن قطع الولاء للكفار، وتوجب عليه معاداتهم في الدين، ويدل كثير من هذه الآيات في ظاهرها على كفر وردة من لم يقم بهذه الفريضة) [59] .
[46] الجامع لأحكام القرآن: ج17/ 308.
[47] مجموع الفتاوى: ج7/ 160،161.
[48] تفسير القرآن العظيم: ج4/ 329.
[49] رسالة شرح ستة مواضع من السيرة، ضمن كتاب الجامع الفريد: ص249.
[50] جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج10/ 98.
[51] الجامع لأحكام القرآن: ج8/ 93،94.
[52] جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ج3/ 228.
[53] الجامع لأحكام القرآن: ج6/ 217.
[54] أحكام القرآن: ج2/ 444.
[55] فتح القدير: ج2/ 50،51، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشيخ محمد بن علي بن محمد الشوكاني، المتوفى سنة 1250هـ، ط: عالم الكتب.
[56] الرسائل المفيدة: ص61،64.
[57] رسالة سبيل النجاة والفكاك ضمن كتاب مجموعة التوحيد: ج1/ 335.
[58] الولاء والبراء: ص38.
[59] الإيمان أركانه، حقيقته، نواقضه: ص249، ط: مكتبة الرسالة الحديثة.