الصفحة 10 من 44

قال الشيخ محمد بن سعيد بن سالم القحطاني: (لما كان أصل الموالاة الحب وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك، فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله، وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة:

أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [سورة آل عمران: 28] ، ويقول تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} [سورة آل عمران: 31 - 32] .

ويقول تباركت أسماؤه عن أهداف أعداء الله: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} [سورة النساء: 89] ، {يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [سورة المائدة: 51] ، ويقول تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [سورة المائدة: 54] .

ثم قال الشيخ:(أما الأحاديث والآثار فكثيرة وأذكر منها:

1)ما رواه الإمام أحمد [60] عن جرير بن عبد الله البجلي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر.

2)روى ابن أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" [61] .

3)روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله".

4)إخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس رضى الله عنهما قال:"من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا").

إلى أن قال الشيخ القحطاني:(يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا قوله:"والى في الله"؛ هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة، فيه إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب، وهي النصرة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين باطنا وظاهرا.

قوله:"في الله"هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه، أي إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطنا وظاهرا، إشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، كما قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [سورة الممتحنة: 4] ) .

ثم قال الشيخ القحطاني: (ومما سبق يتضح أن الولاء في الله هو محبة الله ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم، والبراء هو بغض أعداء الله ومجاهدتهم، وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول بـ"أولياء الله"، والفريق الثاني بـ"أولياء الشيطان"قال تعالى: {الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [سورة البقرة: 257] ، وقال تعالى: {الذين ءامنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [سورة النساء: 76] .

ثم قال الشيخ: (واعلم أن الله سبحانه لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [سورة الأنعام: 112] ) .

إلى أن قال الشيخ القحطاني: (فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء والبراء من لوازم"لا إله إلا الله"وهو أيضا تحقيق معناها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله، ويوالي المؤمنين في أي مكان حلُّوا ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب") [62] .

قد تبين لك مما ذكرناه أن محبة المؤمنين ونصرتهم وبغض الكافرين وعداوتهم، ليست مسألة فرعية بل هي من لوازم التوحيد، ورغم كثرة ما ورد فيها من الأدلة من الكتاب والسنة وكلام العلماء إلا أن كثيرا من الناس قد جهلوا هذه المسألة.

ويا ليتهم اكتفوا بجهلهم وأُخرِست ألسنتهم، ولكنهم هاجموا الذين فهموا دينهم ووالوا المؤمنين وعادوا الكافرين ووصوفهم بالتشدد.

ومن ذلك ما قاله فرعون مصر الحالي حسني مبارك: (أنا في الواقع لا أرى مشكلة بين المسلمين والأقباط في مصر، وإذا كانت هناك مشكلة فهي بين متشددين من الطرفين، وأما الغالبية العظمى فالعلاقات بينها طيبة جدا، أنا طول عمري لي أصدقاء مسيحيون، وآخر رئيس تدريب للقوات الجوية كان مسيحيا وفي منتهى الكفاءة، أنا شخصيا لا أفاضل بين مسيحي ومسلم، المعيار عندي هو الكفاءة لأنه مصري، مسلما كان أو مسيحيا، فالكل أبناء وطن واحد، لا فرق بين مسيحي ومسلم، والذي يزايد يكون صاحب غرض أو مطمع أو هوى!) [63] .

نقول: إذا كان هذا الطاغية يعيش طوال عمره في الجهل والضلال فضلا عما هو عليه من الكفر ومحاربته الإسلام فهل نلغي كل ما ورد من الآيات والأحاديث وكلام العلماء في الولاء والبراء وقد ذكرنا ما فيه كفاية من الأدلة على ذلك فهل نلغي كل هذا من أجل أن هذا الطاغية يقول: (أنا طول عمري لي أصدقاء مسيحيون) !

أما قوله: (أنا في الواقع لا أرى مشكلة بين المسلمين والأقباط ... أنا طول عمري لي أصدقاء مسيحيون ... أنا شخصيا لا أفاضل بين مسيحي ومسلم) ، يذكرنا بقول الله تعالى حاكيا عن فرعون {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [سورة غافر: 29] ، فهل قوله؛"أنا"،"أنا"،"أنا"، نجعلها تشريعا للأمة ونترك ما ورد في الكتاب والسنة؟!

[60] ج4/ 357، 358

[61] كتاب الإيمان ص45.

[62] الولاء والبراء في الإسلام للشيخ محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، ص40 - 45، ط: دار طيبة، الطبعة الأولى.

[63] جريدة الأهرام، الجمعة 11ربيع الآخر 1418هـ، 15 أغسطس 1997م، ص: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت