لقد اشترط النصارى في الشروط العمرية على أنفسهم؛ (ألا يكتموا غشا للمسلمين) .
قال الإمام ابن القيم: (هذا أعم من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرا فيه غش للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدهم، وبذلك أفتينا ولي الأمر بانتقاض عهد النصارى لما سعوا في إحراق الجامع والمنارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم، وعلم بعضهم وكتم ذلك ولم يطلع عليه ولي الأمر، وبهذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناقضي العهد، فإن بني قينقاع وبني النضير وقريظة لما حاربوه ونقضوا عهده؛ عم الجميع بحكم الناقضين للعهد، وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يطلعوه عليه، وكذلك فعل بأهل مكة لما نقض بعضهم عهده، وكتم الباقون وسكتوا ولم يطلعوه على ذلك؛ أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عقر دارهم، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وبالله التوفيق) [94] .
وقال الإمام ابن القيم: (وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم، فأمدوهم بالمال والسلاح، وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه وسلم بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين؟! والله أعلم) [95] .
وقال الإمام الخرقي: (ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه؛ حل دمه وماله) [96] .
وقال الإمام الشوكاني: (ثبوت الذمة لهم مشروط بتسليم الجزية والتزام ما ألزمهم به المسلمون من الشروط، فإذا لم يحصل الوفاء بما شرط عليهم عادوا إلى ما كانوا عليه من إباحة الدماء والأموال، وهذا معلوم ليس فيه خلاف، وفي آخر العهد العمري، فإن خالفوا شيئا مما شرطوه؛ فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل العناد والشقاق) [97] .
فإذا كان الإمام ابن القيم أفتى بانتقاض عهدهم لما سعوا في إحراق الجامع والمنارة وسوق السلاح، والإمام الخرقي جعل عهدهم منتقضا بمجرد مخالفة أي شيء مما صولحوا عليه، بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل عهدهم منتقضا بمجرد أن يضربوا مسلما، وقد بين الشوكاني أن ثبوت الذمة مشروط بأداء الجزية والتزام الشروط، فماذا يقول هؤلاء؛ فيما فعله اليهود من احتلالهم لأراضي المسلمين في فلسطين وما قاموا به من مذابح صبرا وشاتيلا ومذبحة المسجد الإبراهيمي؟ وما فعله النصارى في الأندلس من قتل وتنصير للمسلمين؟ وما فعله النصارى في الحروب الصليبية وما فعله الاستعمار من احتلال لبلاد المسلمين؟ وما فعله النصارى الصرب بالمسلمين من قتل وتشريد واغتصاب للنساء؟ أيقول مسلم إن لهؤلاء عهدًا أو ذمة وإن دماءهم معصومة؟!
وإني لأقسم بالله الذي لا إله غيره؛ لو أن المسلمين في شتى بقاع الأرض بعد مذبحة المسجد الإبراهيمي وغيرها قاموا بقتل آلاف اليهود ثأرا لدينهم، ما اجترأ اليهود أن يفعلوا مثل هذا الفعل أبدا، ولفكروا ألف مرة قبل أن يقدموا على هذه المذابح، ولكنهم وجدوا الحكومات العميلة تقابل مذابحهم بالمؤتمرات التي تنتهى بالشجب والإنكار، وعوام المسلمين يقابلون مذابحهم بالصراخ والعويل والبكاء فقط، فما يكون منهم إلا أن يزدادوا في طغيانهم.
والأعجب من ذلك أنه لو قامت مجموعة من شباب الإسلام بقتل اليهود في بلادهم انتقاما لإخوانهم، لقامت الحكومات العميلة بسجنهم وتعذيبهم على مرأى ومسمع من جميع المسلمين، فهل رأيت ذلا وعمالة لليهود أعظم من هذا؟! فوا أسفا على ما أصاب أمة الإسلام من جهل بدينها، وذلة ومهانة أمام أعدائها.
وقد يقول قائل: إذا فعل ذلك بعضهم فما ذنب الباقين؟
فنقول؛ إن الذي رضي وأقر وكتم ذلك ولم يخبر المسلمين يكون بذلك ناقضا للعهد.
وقد مر آنفا كلام الإمام ابن القيم حيث قال: (وبهذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناقضي العهد، فإن بني قينقاع وبني النضير وقريظة لما حاربوه ونقضوا عهده؛ عم الجميع بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يطلعوه عليه، وكذلك فعل بأهل مكة لما نقض بعضهم عهده وكتم الباقون وسكتوا ولم يطلعوه على ذلك؛ أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عقر دارهم، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره وبالله التوفيق) [98] .
ونريد أن ننبه هنا على أن حكام اليوم لا يمثلون المسلمين في شيء - وسيأتي إن شاء الله بيان كفرهم في الكلام على الديمقراطية وحكمها - فلو أنهم عقدوا مع اليهود أو النصارى أي معاهدة، فنحن في حل منها، إذ أن الكافر لا يصح أمانه أوعهده.
وفي ختام كلامنا على الشروط العمرية نذكر تعليق الشيخ محمد بن سعيد القحطاني على الشروط العمرية ومقارنتها بحال المسلمين اليوم، حيث قال حفظه الله:(سبحان الله! ما هذا البون الشاسع بين تلك القمة وبين هذا الغثاء الذي يعيش اليوم على الأرض متميعا متسكعا وراء الكفار والملاحدة؟ ويحسب نفسه مسلما؟
أين تلك العزة والقوة والسلطان الرباني الذي أخذ به ذلك الجيل، وأين الضعف والاستخذاء والتبعية العمياء التي يعيشها المسلمون اليوم؟ ترى هل المنتسبون اليوم للإسلام في درجة الذميين الذين طبقت عليهم هذه الشروط؟ هل المسلمون اليوم ذميون للكفار؟
إن الذي يظهر لي أنه - حتى على هذا الافتراض الأخير - فإن المسلمين اليوم أقل قدرا من ذميي الأمس، ذميو الأمس في صغار وفي ذلة وفي زي معين ومكان معين، نعم، أما مسلمو اليوم ففي صغار وذلة واستكانة عن إسلامهم وتبعية للشرق الملحد والغرب الكافر، وإعجاب وانبهار بما عليه أعداء الإسلام، وسخرية واستهزاء بما كان عليه سلف هذه الأمة.
من هنا فهم أحط قدرا عند الله ماداموا بهذه الصفات، وأحقر من أن يهابوا، وأصغر من أن يسمع لهم كلمة في المجتمع الدولي المعاصر) [99] .
[94] أحكام أهل الذمة، ص715.
[95] زاد المعاد للإمام ابن القيم ج3/ 138، ط: مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية.
[96] مختصر الخرقي ص133، ط: المكتب الإسلامي، للإمام أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، المتوفى سنة 344هـ، ملحوظة: كتاب المغني للإمام ابن قدامة هو شرح لهذاالمختصر.
[97] السيل الجرار ج4/ 574.
[98] أحكام أهل الذمة ص715.
[99] الولاء والبراء في الإسلام ص336،337.