الصفحة 19 من 44

قال الإمام ابن القيم:(فأما حكم أبنيتهم ودورهم؛ فإن كانوا في محلة منفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم، تركوا وما يبنونه كيف أرادوا، وإن جاوروا المسلمين، لم يمكنوا من مطاولتهم في البناء، سواء كان الجار ملاصقا أو غير ملاصق، بحيث يطلق عليه اسم الجار، قرب أو بعد.

قال الشافعي رحمه الله تعالى:"ولا يحدثون بناء يطولون به بناء المسلمين".

وهذا المنع لحق الإسلام، لا لحق الجار، حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثر في الجواز، وليس هذا المنع معللا بإشرافه علي المسلم، بحيث لو لم يكن له سبيل على الإشراف؛ جاز، بل لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع؛ أنهم يمنعون من سكنى الدار العالية على المسلمين بإجارة أو عارية أو بيع أو تمليك بغير عوض، فإن المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام، واحتجوا بالحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو ولا يعلى" [100] ، واحتجوا بأن في ذلك إعلاء رتبة لهم على المسلمين، وأهل الذمة ممنوعون من ذلك.

قالوا: ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجئون إلى أضيق الطرق، فإذا منعوا من صدور المجالس والجلوس فيها عارض فكيف يمكنون من السكنى اللازمة فوق رؤوس المسلمين؟! وإذا منعوا من وسط الطريق المشترك والمرور فيه عارض، فأزيلوا منه إلى أضيقه وأسفله، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه"، فكيف يمكنون أن يعلوا في السكنى الدائمة رقاب المسلمين؟! هذا مما تدفعه أصول الشرع وقواعده) [101] .

وقال الإمام ابن قدامة:(ومن استحدث من أهل الذمة بناء؛ لم يجز له منعه، حتى يكون أطول من بناء المسلمين المجاورين له، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الإسلام يعلو ولا يعلى"، ولأن في ذلك رتبة على المسلمين، وأهل الذمة ممنوعون من ذلك، ولهذا يمنعون من صدور المجالس ويلجئون إلى أضيق الطرق، ولا يمنع من تعلية بنائه على من ليس بمجاور له، لأن علوها إنما يكون ضررا على المجاور لها دون غيره.

وفي جواز مساواة المسلمين وجهان؛: إحداهما؛ الجواز، لأنه ليس بمستطيل علي المسلمين، والثاني؛ المنع، لقوله عليه السلام:"الإسلام يعلو ولا يعلى"، ولأنهم منعوا من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم، كذلك في بنائهم) [102] .

فقل لي بربك؛ هل هذا الحكم يطبق في أي دولة في العالم من الدول التي تدعى الإسلام؟ ومتى يكف الإخوان المسلمون عن إصدار مثل هذه البيانات المخزية التي تضاد الحق وتخالفه؟

[100] سبق تخريجه.

[101] أحكام أهل الذمة ص705،706.

[102] المغني ج8/ 528.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت