الصفحة 20 من 44

تجده كالطير مقصوصا جناحاه ... (إن ساسة العالم وأصحاب الرأي فيه، يرفعون هذه الأيام شعار التعددية وضرورة التسليم باختلاف رؤى الناس ومذاهبهم في الفكر والعمل، والإسلام منذ بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعتبر اختلاف الناس حقيقة كونية وإنسانية، ويقيم نظامه السياسي والاجتماعي والثقافي على أساس هذا الاختلاف والتنوع، {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} ، والتعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر، كما تقتضي الاستعداد النفسي والعقلي للأخذ عن هذا الآخر فيما يجري على يديه من حق وخير ومصلحة) .

نقول للإخوان ...

من هم ساسة العالم وأصحاب الرأي فيه الذين يرفعون هذه الأيام شعار التعددية وضرورة التسليم باختلاف رؤى الناس ومذاهبهم في الفكر والعمل؟ أليسوا دعاة الديمقراطية والعلمانية وغيرها من المذاهب الكفرية؟

إننا لسنا أتباع كل ناعق، ولكننا أتباع سيد الأولين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فهل دعانا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التفرق والتحزب وإقرار أهل الباطل على باطلهم بحجة؛ أن هذا حقيقة كونية وإنسانية؟!

ولابد أن نفرق هنا بين أمرين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.

فالإرادة الكونية؛ تعني أن كل ما يحدث في هذا الكون فهو بإرادة الله تعالى، فاختلاف الناس بين مؤمن وكافر ومنافق واختلاف الفرق والمذاهب كل هذا يحدث بإرادة الله تعالى، قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ، ولكن هذا لا يعني أن الله تعالى يحب من عباده الكفر، قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} [سورة الزمر: 7] .

أما الإرادة الشرعية؛ فهي التي يحبها الله ويرضاها ويأمر بها فهو يحب من عباده الإيمان والطاعة والعبادة.

ولا يجوز أن يستدل أحد بحدوث الإرادة الكونية من الكفر والمعاصي واختلاف الفرق الضالة على أن هذه إرادة الله ولابد أن نرضى بالكفر والمعاصي ونقرها، فإن الله تعالى قال: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ... ) .

ومع ذلك فإن الله تعالى لم يأمرنا بإقرار الكافرين على كفرهم وإقرار الفرق الضالة على ضلالها، بل أمرنا بقتال الكافرين، قال تعالى: {قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولاباليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} ، وقال تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ) [103] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [104] .

فهذه الآيات والأحاديث تبين لك خطأ الإخوان في قولهم: (والإسلام منذ بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر اختلاف الناس حقيقة كونية وإنسانية ... والتعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر) ، فالآيات والأحاديث التي ذكرناها وغيرها كثير، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها لآخرها؛ تقتضي عدم الاعتراف وعدم إقرار أهل الكفر على كفرهم، ولا أهل الضلال على ضلالهم.

(ذلك أن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها، لذلك يظلم الإسلام والمسلمين أشد الظلم من يصورهم جماعة مغلقة منحازة وراء ستار يعزلها عن العالم، ويحول بينها وبين تبادل الأخذ والعطاء مع شعوبه، والإخوان المسلمون يؤكدون من جديد التزامهم بهذا النظر الإسلامي السديد الرشيد، ويذكرون اتباعهم والآخذين منهم؛ بأن على كل واحد منهم أن يكون فيما يقول ويعقل عنوانا صادقا على هذا المنهج ... يألف ويؤلف ... ويفتح عقله وقلبه للناس جميعا، لا يستكبر على أحد، ولا يمن على أحد، ولا يضيق بأحد) .

الحكمة؛ هي وضع الشيء في محله اللائق به، ومن أعظم ما وقع فيه الإخوان مما يخالف الحكمة؛ هو وضع الأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم في غير محلها اللائق بها.

وطيلة تاريخ الإخوان وهم يدعون أنهم قادة الحركة الإسلامية وأصحاب الخبرة العريضة والتجارب المفيدة، ثم كان حصاد هذا التاريخ العريض تلك المهازل التي يخرجون بها على الناس من مقالات فاسدة باطلة، يعرف بطلانها صغار طلبة العلم، فضلا عن العلماء، فكيف بجماعة يمتد تاريخها سبعين عاما؟!

(وأن تكون يده مبسوطة إلى الجميع بالخير والحب والصدق، وأن يبدأ الدنيا كلها بالسلام قولا وعملا) .

إن الإخوان يذكرون أتباعهم والآخذين منهم؛ أن تكون أيديهم مبسوطة إلى الجميع بالخير والحب والصدق، ولا شك أن كلمة الجميع تشمل كل الناس مؤمنين وكافرين ومنافقين وملحدين ويهود ونصارى وعلمانيين وفاسدين.

فهل اليهود الذين يقتلون المسلمين ويأسرونهم ويعذبونهم وينتهكون حرمة المسجد الأقصى ويصرون على بناء المستوطنات في أرض المسلمين يستحقون أن نبسط إليهم أيدينا بالخير والحب؟!

وهل النصارى الذين قتلوا المسلمين وهتكوا أعراضهم في البوسنة والهرسك، وما زالوا في الفلبين وإريتريا وغيرها، يستحقون أن نبسط إليهم أيدينا بالخير والحب؟!

وهل النصارى الذين احتلوا الأندلس وعذبوا المسلمين هناك وساموهم أشد أنواع العذاب فيما يسمى بـ"محاكم التفتيش"، يستحقون أن نبسط إليهم أيدينا بالخير والحب؟!

أي حب هذا والله عز وجل أمرنا بالبراءة من الكافرين وبغضهم؟! فقد قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} ، وقال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله} ، وقد سبق الكلام على الولاء والبراء.

أتريدون أن نلغي كل آيات الجهاد، وقد أصبح الجهاد فرض عين في هذه الأيام، حيث أنه يتعين في ثلاثة أحوال، منها؛ إذا حل العدو بديار المسلمين.

قال الإمام ابن قدامة:(ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع؛

أحدها؛ إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام، لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} [سورة الأنفال: 45] ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [سورة الأنفال: 15 - 16] .

الثاني؛ إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

الثالث؛ إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} [سورة التوبة: 38] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وإذا استنفرتم فانفروا") [105] .

وقال الإمام القرطبي: (إنه يجب نفير الكل، وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلول بالعقر، فإذا كان ذلك؛ وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم؛ لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم) [106] .

وقال ابن عابدين: (وفرض عين؛ إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببعد من العدو؛ فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم، بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين، كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه، وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج) [107] .

وقال علاء الدين الكاساني: (فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد، فهو فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه، لقوله سبحانه وتعالى: {انفروا خفافا وثقالا} [سورة التوبة: 41] ، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه) [108] .

وقال الرملي: (فإن دخلوا بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر، فيلزم أهلها الدفع، حتى من لا جهاد عليهم من فقير وولد ومدين وامرأة) [109] .

وقال الإمام النووي في شرح حديث: (وإذا استنفرتم فانفروا) : (قال أصحابنا؛ الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين، فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية) [110] .

والسؤال الآن؛ هل نزل الكفار بأرض فلسطين والأندلس وغيرها من بلاد المسلمين أم لا؟ وهل استطاع المسلمون ردهم والدفاع عن أرضهم أم لا؟

وإذا كانت الإجابة؛ لا يختلف فيها اثنان أنهم لم يستطيعوا ردهم، إما لضعفهم وإما لتخليهم عن الجهاد، وإما لعمالة الحكام وخيانتهم، وإما لكل ذلك وغيره من الأسباب، فهل يصبح الجهاد الآن فرض عين على كل مسلم لاسترداد أراضي المسلمين المحتلة؟ أم ينبغي على كل مسلم أن يفتح عقله وقلبه للناس جميعا، وأن تكون يده مبسوطة إلى الجميع بالخير والحب والصدق، وأن يبدأ الدنيا كلها بالسلام قولا وعملا - كما يدعي الإخوان -؟!

كيف نبدأ الدنيا كلها بما فيها الكفار بالسلام والله عز وجل يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [سورة الأنفال: 39] .

كيف نبدأ الدنيا كلها بالسلام والله سبحانه وتعالى يقول: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [سورة التوبة: 5] ؟

كيف نبدأ الدنيا كلها بالسلام والله عز وجل أمرنا بالقتال في كثير من الآيات، قال تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} [سورة التوبة: 11 - 14] .

كيف نبدأ الدنيا كلها بالسلام وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) [111] ؟

كيف نبدأ هؤلاء بالسلام وقد تكالبوا علينا من كل حدب وصوب، فاحتلوا ديارنا وسفكوا دماءنا وانتهكوا أعراضنا في كثير من بلاد العالم، فما تكاد تتوقف الدماء في بلد من بلاد المسلمين حتى تتفجر في مكان آخر، فإن كنا نسينا ما حدث في محاكم التفتيش في الأندلس، وما حدث في مذابح صبرا وشاتيلا لبعد الزمن قليلا، فلا ينبغي أن ننسى مذبحة الحرم الإبراهيمي ودماء المسلمين التي تسيل إلى اليوم في أرض فلسطين، ولا ينبغي أن ننسى ما حدث في الشيشان والبوسنة والهرسك، ولا ننسى ما يفعله مجرمو بورما من فتك بالمسلمين وهتك لأعراضهم ومصادرة لأموالهم، ومن تلفت يمينا وشمالا علم أن المسلمين في كل بلد يعيشون حالة حرب ممن يحكمونهم وذلك بسبب دينهم، كما قال القائل:

أين اتجهت إلى الإسلام في بلد

وأم تنادي وليدي وليدي ... ورحم الله سيد قطب الذي قال وهو يصور حالة المسلمين التي يعيشونها:

شيخ قتيل وطفل جريح

وسجن يغطي دماء الشهيد ... وشعبي يغني وأقصى يصيح

[103] رواه البخاري، ك: الإيمان، ب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، ومسلم، ك: الإيمان، ب: الأمر بقتال الناي حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.

[104] رواه أبو داود 2504، والنسائي ج6/ 7، وأحمد ج3/ 124،251.

[105] المغني ج13/ 8، ط: دار هجر

[106] تفسير القرطبي ج8/ 151.

[107] حاشية ابن عابدين ج3/ 238.

[108] بدائع الصنائع ج9/ 4301.

[109] نهاية المحتاج ج8/ 58.

[110] صحيح مسلم بشرح النووي ج13/ 11،12

[111] رواه مسلم، ك: السلام، رقم: 2167، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت