الصفحة 42 من 44

(مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافسا شريفا في ظل الدستور والقانون) .

إن الله تعالى يقول: {إن الحكم إلا لله} ، فهل كفر الإخوان بهذه الآية، وآمنوا بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل في ظل الدساتير الكفرية والقوانين الشيطانية؟!

إن الله تعالى جعل الحاكمية له وحده والإخوان يجعلونها للأمة وأبنائها، فهل كثرَة الكلام عن الديمقراطية ومدحها والثناء عليها جعل الإخوان يؤمنون بمبادئها ويدعون الناس إليها؟!

(وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم أساليب العنف والقسر لجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية ولكنه لا يتيح لهم أبدا فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة كما أنه يمثل شرخا هائلا في جدار الاستقرار السياسي وانقضاضا غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع، وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة قد ورط فريقا من أبنائها في ممارسة إرهابية روعت الأبرياء وهزت أمن البلاد وهددت مسيرتها الاقتصادية والسياسية فإن الإخوان المسلمين يعلنون في غير تردد ولا مداراة أنهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف مستنكرين شتى أشكال ومصادر الإرهاب) .

إن الوسيلة الشرعية في التعامل مع الحاكم الكافر؛ هي الخروج عليه وخلعه وتنصيب حاكم مسلم - كما سبق بيانه - ولا يسمى ذلك عنفا.

والذي يسمي الخروج على الحاكم الكافر عنفا أو تمزيقا لوحدة الأمة؛ يسمي الأسماء بغير أسمائها بل يقلب الحقائق، فإن تسلط هؤلاء الطواغيت على بلاد المسلمين وانفراد كل طاغية بحكم قطعة من أرض المسلمين، وإحياءه فيها للنعرات الجاهلية كالوطنية والقومية وغير ذلك، هو الذي فرّق الأمة، وهذا من أهم أسباب ضعفها وذلها أمام أعدائها.

أما لو خرج المسلمون على هؤلاء الطواغيت ونصبوا حاكما مسلما يطبق شرع الله تعالى ويحكم بلاد المسلمين قاطبة ويجمعهم على كلمة التوحيد ويقيم فريضة الجهاد؛ لكان ذلك توحيدا للأمة، وليس تمزيقا لها - كما هو حال المسلمين اليوم من التفرق والتشتت -

(وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم واقعون في المعصية وأنهم مطالبون في حزم وبغير إبطاء بأن يفيئوا إلى الحق فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وليذكروا في غمرة ما هم فيه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة وداعه:"أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا") .

إن الإخوان ينكرون على المجاهدين؛ قتالهم للحكام المرتدين وأعوانهم الذين يحاربون الإسلام والمسلمين ويقتلونهم في السجون والشوارع والبيوت، مستدلين بقولهم: (إن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) ، فهل هذه آية أم حديث أم إجماع؟!

لقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) [254] .

وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، وليس من سلم الناس من لسانه ويده كما تزعمون!

فإن الحديث لا ينطبق على هؤلاء الكفار، لأنه قال"المسلمون"، أما لفظ"الناس"التي اخترعتموها لتشمل المسلمين والكفار؛ فلا قيمة لها ولا وزن في ميزان الشرع، ما دامت لم ترد في الكتاب ولا في السنة ولا دل عليها دليل من الشرع.

(أما الذين يخلطون الأوراق عامدين ويتهمون الإخوان المسلمين ظالمين بالمشاركة في هذا العنف والتورط في ذلك الإرهاب، متعللين في ذلك بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف، وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء، وأن تستوعب دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية) .

إن الإخوان يطالبون الحكومة أن تلتزم بأحكام القانون والقضاء، سبق قولهم: (في ظل الدستور والقانون) ، وسيأتي قولهم: (ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون) ، ولا أدري لماذا يصر الإخوان على تكرير هذه الكلمات وتأكيدها، وكأن هذا الدستور والقانون أنزله الله تعالى من فوق سبع سموات ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه!

ألم يعلموا أن هذا الدستور والقانون ملئ بالمواد الكفرية التي ما أنزل الله بها من سلطان - كما سبق تفصيله في كلامنا عن حكم الديمقراطية - فهل ديننا يأمرنا أن نؤمن بهذا الدستور ونحترمه ونحتكم إليه؟ أم نكفر به ونحذر الناس منه؟

هل دعاة التوحيد يدعون الناس إلى الإيمان بالطاغوت واحترامه والالتزام بأحكامه، أم يدعونهم إلى الكفر به وعدم التحاكم إليه؟

كان ينبغي على الإخوان أن يطالبوا الحكومة بتطبيق شرع الله تعالى، ولا يصروا على مطالبة الحكومة أن تلتزم بأحكام القانون الكفري، وأن يبينوا للحكومة أن السبب الحقيقي لخروج المجاهدين عليهم؛ هو كفرهم وعدم تطبيقهم لشرع الله عز وجل.

وإن من الظلم البين أن يسمى الإخوان جهاد المرتدين؛ عنفا، واعتبارهم جهاد الحكام المرتدين"ظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة".

لماذا اعتبرتم الجهاد ظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة، ولم تعتبروا ما تفعله الحكومة المصرية من قتل وسجن وتعذيب للمسلمين وذل واستسلام لليهود ظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة؟

(فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها في المجالس النيابية والانتخابات التشريعية واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون) .

إن من أعجب العجب؛ أن جماعة إسلامية كبيرة، تدعي أنها تنتسب للإسلام، تفتخر بأنها تلتزم على الدوام بأحكام الدستور والقانون الكفري الذي ما أنزل الله به من سلطان! فهل وصل الجهل بهؤلاء إلى هذا الحد؟ والله لو قال مثل هذا الكلام جماعة يسارية أو شيوعية ما تعجبنا لذلك، أتدعون أن القرآن دستوركم، ثم تعلنونها صريحة أنكم تحترمون قوانين الكفر التي تعلو بلادكم، فإنكم تتناقضون مع أنفسكم أعظم مناقضة.

ألم تقرأوا قول الله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} ، فقدم الله تعالى الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، وأنتم تعلنون ولا تستحون؛ أنكم ملتزمون بأحكام الدستور والقانون.

وقد بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته"معنى الطاغوت ورؤوس أنواعه"؛ أن الطواغيت كثيرة ورؤسهم خمسة:(الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} .

الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ) [255] .

فلا شك أن هؤلاء الحكام الذين نحوا شرع الله تعالى وأقاموا شرع الشيطان طواغيت يجب الكفر بهم ومعاداتهم.

ورحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قال: (واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أولم يكفرهم، أو قال؛ ما علىّ منهم، أو قال؛ ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله تعالى بهم وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئا، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين) [256] .

ونحن نقول لكم؛ إن كنتم تدعون أنكم جماعة إسلامية كبيرة وأنكم الجماعة الأم فلابد:

أولا: أن يكون الضابط الأول الذي يحكمكم هو القرآن والسنة، وهذا ليس مجرد شعارات ثم تقولون تصريحات وبيانات مناقضة لذلك.

وثانيا: أن تكون لديكم الشجاعة على الصدع بالحق أينما كنتم، والقيام بأمر هذا الدين كله كاملا غير منقوص، ولا تكون السياسة مقدمة على الشرع، وتؤَول نصوص الشريعة لتوافق سياستكم التي وضعها البشر، ولا يكون التنازل ديدنكم حتى يصل إلى مخالفة الكتاب والسنة حتى ترضى عنكم الحكومات، فإنهم لن يرضوا عنكم مهما فعلتم ما دمتم ترفعون شعار الإسلام سواء كنتم صادقين أو كاذبين، ولا يصل بكم الحد إلى مهاجمة الإخوة المجاهدين الذين يقومون بما تعجزون عن القيام به، ويقدمون التضحيات والدماء في سبيل هذا الدين.

(حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره، يجاهدون به في سبيل الله {لا يخافون لومة لائم} ) .

وهل كل الآيات والأحاديث التي وردت في الجهاد نُسخت وبقى الجهاد"بالكلمة الحرة الصادقة"؟! وإذا كانت هذه النصوص التي لا حصر لها قد نسخت؛ فمن الذي نسخها؟ هل هو بيان الإخوان؟!

وهل قال أحد من علماء هذه الأمة؛ إن الجهاد الآن أصبح مقتصرا على الجهاد بالكلمة الصادقة؟ وما جهاد الكلمة الصادقة الذي قمتم به؟

ولا أدري أي جهادكم أعظم محاربة المجاهدين واتهامهم بترويع الأبرياء وإعلانكم"في غير تردد ولا مداراة أنكم براء من شتى أشكال ومصادر العنف مستنكرين شتى أشكال ومصادر الإرهاب وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم واقعون في المعصية"، ولا شك أن هذا الكلام تقصدون به المجاهدين، أم صمتكم على أحكام الكفر التي علت البلاد، ومدحكم للديمقراطية الكفرية وإعلانكم احترامكم لها، وعدم تبرئكم منها كما تبرأتم من المجاهدين؟!

فيا دعاة الإخوان:

أيهما أولى بالإنكار عليه؛ الشباب الذي خرج دفاعا عن دينه وعقيدته، يحمل السلاح ويجاهد في سبيل الله، أم الحكومة المرتدة العميلة التي تحارب الإسلام وتسالم اليهود وتنشر الفساد والدمار في البلاد؟! فالخمور تباع في كل مكان بتصريح من الدولة، والكازينوهات والفنادق التي يمارس فيها الفسق والفجور مفتوحة ليل نهار لمن أراد، والتليفزيون المصري المتعدد القنوات ينشر الرذيلة على مدى 24 ساعة، وغير ذلك من الضلال.

أظنكم لو فهمتم معنى الولاء والبراء وأنه من لوازم الإيمان - كما بينا فيما سبق - ما داهنتم أعداء الله، وتبرأتم من المسلمين، ولعلمتم أن هذا عند الله عظيم.

وكيف قصرتم الجهاد على الجهاد بالكلمة الحرة الصادقة، والله عز وجل يقول: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [سورة التوبة: 41] ؟!

وقد روى أحمد والنسائي وأبو داود من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [257] .

[254] رواه البخاري، ك: الإيمان، ب: أي الإسلام أفضل، ومسلم، ك: الإيمان، ب: تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل.

[255] الجامع الفريد ص265،266.

[256] رسالة تفسير كلمة التوحيد ـ ضمن كتاب الجامع الفريد ص256.

[257] المسند ج3/ 124،251، سنن النسائي ج6/ 7، سنن أبو داود 2504.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت