الصفحة 41 من 44

ولكن رغم وضوح الأدلة في كفر هذه الحكومات ووجوب الخروج عليها، فإنه قد يقول قائل: فإننا لا نستطيع الخروج عليهم ولا طاقة لنا بهم، وقد قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة: 286] !

ونقول؛ إن هذا صحيح من وجه، فإن الله تعالى لا يكلف العبد ما لا يستطيع، ولكن عدم القدرة لا يسقط الإعداد لتحصيل القدرة، فالذي يجب على المسلمين هو أن يعدوا العدة حتى يستطيعوا الخروج على الحاكم الكافر وخلعه.

والأدلة على ذلك هي:

قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [سورة الأنفال: 60] .

قال الإمام القرطبي: (أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء) [247] .

والأمر يحمل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة كما قال علماء الأصول.

وقوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [سورة التوبة: 46] .

قال الإمام الجصاص في تفسير هذه الآية: (العدة ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} ) [248] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) [249] .

وقال الإمام النووي في تعقيبه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من علم الرمى ثم تركه فليس منا أوقد عصى) : (هذا تشديد عظيم في نسيان الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر) [250] .

فإذا كان هذا الزجر والوعيد في حق من تعلم الرماية ثم لم يواظب على التدريب حتى لا ينساها، فكيف بمن لم يتعلمها ابتداءً؟

لقد تبين لك مما سبق وجوب الإعداد للجهاد، وأن ترك الإعداد من صفات المنافقين.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المقصود بالقوة التي يجب إعدادها في الحديث الذي رواه مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول:" {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي") [251] .

ولكني أريد التنبيه هنا على عدة أمور:

الأول:

أنه لا ينبغي إغفال الإعداد الإيماني بتربية المجاهدين على طاعة الله عز وجل وغرس معاني الإخلاص والإيثار والصبر والبذل والتضحية والتوكل واليقين وغير ذلك في نفوسهم.

فإن الإخلاص والطاعة من أسباب النصر.

فقد روى النسائي من حديث سعد حين ظن أن له فضلا على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [252] .

ولأن المعاصي من أسباب الهزيمة، فقد كان النصر حليف المسلمين في أول غزوة أحد، فلما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونزلوا من أماكنهم كانت الهزيمة.

الثاني:

أننا لا نعني بوجوب إعداد العدة للجهاد إغفال الجوانب الأخرى من طلب العلم ونشره وبيان الحق للناس، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.

الثالث:

أنه لا ينبغي علينا في مرحلة العجز أن نداهن هؤلاء الطواغيت ونثني عليهم - كما يفعل بعض قادة الإخوان - بل ينبغي علينا الكفر بهؤلاء الطواغيت والبراءة منهم، فإن ذلك من لوازم التوحيد، كما قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} .

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (إن أصل الأصول لا استقامة له ولا ثبات له إلا بمقاطعة أعداء الله وحربهم وجهادهم والبراءة منهم والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم) [253] .

الرابع:

ينبغي على المسلمين عامة والحركات الإسلامية خاصة؛ أن يتعلموا مسائل الحاكمية وينشروا بين الناس الكفر بالطاغوت، وأنه ينبغي الخروج على الحكام المرتدين، وعزلهم عند القدرة، والإعداد لذلك عند العجز، فإن نشر ذلك فيه إغاظة لأعداء الله، واستقطاب أنصار وأعوان، كما أن فيه إيقاظا للأمة من غفلتها وبيانا لسبب انتكاسها وتخلفها.

الخامس:

أنه لا ينبغي أن يفهم من كلامنا على وجوب الخروج على الحاكم الكافر أننا نقصد القيام بأي أعمال غير منضبطة قد يترتب عليها مفاسد أعظم من المصالح، ولكننا نعني الإعداد الجيد والتخطيط المحكم على جميع المستويات، مع الصدق والإخلاص، وعدم تعلق القلب بهذه الأسباب، واليقين بأن النصر من عند الله تعالى، قال تعالى: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} [سورة آل عمران: 126] ، وعدم التعجل والتسرع، فإن الأمر يحتاج إلى إعداد طويل، فإذا استكمل المسلمون القدرة التي حددها أهل الخبرة والتجربة وغلب على ظنهم النجاح خرجوا على الحاكم الكافر.

[247] الجامع لأحكام القرآن ج8/ 35، ط: مكتبة الغزالي.

[248] أحكام القرآن ج3/ 119،120.

[249] مجموع الفتاوى ج28/ 259.

[250] صحيح مسلم بشرح النووي، ج13/ 69، والحديث رواه مسلم، ك: الإمارة، ب: فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه.

[251] رواه مسلم، ك: الإمارة، ب: فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه.

[252] رواه النسائي، ك: الجهاد، بـ: الاستنصار بالضعيف، وصححه عبد القادر وشعيب الأرنؤوط في التعليق على زاد المعاد ج3/ 101.

[253] الرسائل المفيدة، ص60، ط: مطابع مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت