وإليك تفصيل لهذه المفاسد.
المفاسد المترتبة على دخول هذا المجلس:
1)إن من أعظم المفاسد المترتبة على دخول"الإخوان المسلمون"؛"مجلس الشعب"مخالفة الشرع مخالفة صريحة دون أي عذر مقبول، وقد تبين لك مما سبق أن"مجلس الشعب"ما هو إلا مجلس تشريع من دون الله.
2)خداع عموم المسلمين بإيهامهم أن هذه الحكومات إسلامية تطبق الشرع، وإسباغ الشرعية عليها بدخول"مجلس الشعب"، وفي هذا اعتراف بشرعية هذه الحكومات، وهذا فيه تضليل للناس.
3)مساعدة الحكومات في ضرب الحركات الجهادية باعتبارها خارجة على الدستور والقنوات الشرعية، باعتبار أن الإخوان تيار معتدل، وأن السبل الشرعية هي دخول مجلس الشعب.
وقد قال المستشار مأمون الهضيبي لجريدة"الشرق الأوسط": (إن وجود الجماعة يمثل مصلحة للحكومة، لأنها تلجأ إلينا كثيرا لضبط التيار الديني المتطرف) [231] .
4)إيهام المسلمين أن الجهاد طريق غير شرعي وأنه مخالف للقانون، ولا أقول إيهام فقط، بل إن الإخوان أعلنوا براءتهم من أعمال العنف؛ أي براءتهم من المجاهدين، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
5)موالاتهم للكافرين، وضياع مفهوم الولاء والبراء عندهم وعند أتباعهم، وبالتالي عند عموم الناس، وقد فصلنا القول في معنى الولاء والبراء وبيّنا أنه من لوازم التوحيد.
6)مداهنتهم للحكام الكافرين، وقد قال تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [سورة القلم: 9] ، وركونهم إلى الظالمين، وقد قال تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [سورة هود: 113] .
7)إنفاق الأموال الكثيرة في الدعاية الانتخابية، ولو أنفقت هذه الأموال في طبع الكتب المفيدة لنشر دعوة التوحيد وبيان الحق للناس؛ لكان ذلك أعظم فائدة للناس، وكذلك يكثر عند اقتراب الانتخابات تكثيف نشاط الدعاة حول الدعوة إلى الانتخابات، ولو وجهوا جهدهم للدعوة الصحيحة وبيان كفر هؤلاء الطواغيت ووجوب الخروج عليهم؛ لكان ذلك أعظم نفعا للأمة، وكذلك يكثر عند الانتخابات تكثيف عمل عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الشباب حول الدعاية الانتخابية، ولو توجه جهد هؤلاء الشباب إلى تعلم العلم النافع من الكتاب والسنة؛ لكان في ذلك أعظم فائدة لهم في دينهم ودنياهم.
8)الرضا بالكفر وتحسين أفعال الكافرين والثناء على الديمقراطية، وقد سبق نقل أقوالهم في ذلك، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أهل الكفر لن يرضوا عن المؤمنين حتى يتبعوا ملتهم فقال تعالى عن اليهود والنصارى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [سورة البقرة: 120] ، وقال تعالى في معرض الكلام عن المنافقين مخاطبا المؤمنين: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [سورة آل عمران: 119] .
قال الحافظ ابن كثير: (أي أنتم أيها المؤمنون، تحبون المنافقين بما يظهرون لكم الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنا ولا ظاهرا) [232] .
ومما يؤيد بغض الكافرين وعدم رضاهم عن المؤمنين؛ أنه برغم كل التنازلات التي يقدمها الإخوان للحكومات المرتدة إلا أن الطواغيت يشنون عليهم حملات شديدة من الطعن والاستهزاء [233] .
ومن أمثلة مدح الإخوان المسلمون للديمقراطية الكفرية واعتبارها من صميم الإسلام وأقرب النظم للإسلام، ما قاله فريد عبد الخالق: (إن لب الديمقراطية من صميم الإسلام) .
وقال عصام العريان: (لماذا نؤكد ونصر على أن الإسلاميين معادون للديمقراطية؟ إن هذا افتراء عظيم، فنحن أول من ينادي بالديمقراطية ويطبقها ويذود عنها حتى الموت) .
وقال حسن البنا: (إن نظام الحكم الدستوري؛ هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام) .
وسئل محمد حامد أبو النصر سؤالا: (البعض يتهم الإخوان بأنهم أعداء الديمقراطية، ويعادون التعدد الحزبي، فما هي وجهة نظركم في هذا الاتهام؟) ، فكان الجواب: (الذي يقول ذلك لا يعرف الإخوان، إنما يلقي التهم عليهم من بعيد، نحن مع الديمقراطية بكل أبعادها، وبمعناها الكامل والشامل، ولا نعترض على تعدد الأحزاب، فالشعب هو الذي يحكم على الأفكار والأشخاص) [234] .
لقد أقر أبو النصر أحد أسس الكفر التي تقوم عليها الديمقراطية، وهو مبدأ سيادة الشعب، فقال: (الشعب هو الذي يحكم على الأفكار والأشخاص) .
نعوذ بالله من ذلك، فإن الله تعالى هو الذي يحكم على الشعب والأفكار والأشخاص، قال تعالى: {والله يحكم لا معقب لحكمه} [سورة الرعد: 41] .
لقد وقع الإخوان المسلمون في خطأ فاحش بمدحهم لهذا النظام الكفري.
وقد قال الشيخ صديق بن حسن:(إن مدح الكفار لكفرهم؛ ارتداد عن دين الإسلام، ومدحهم مجردا عن هذا القصد؛ كبيرة يعزر مرتكبها بما يكون زاجرا له.
وأما قوله؛ إنهم أهل عدل، فإن أراد أن الأمور الكفرية - التي منها أحكامهم القانونية - عدل؛ فهو كفر بواح صراح، فقد ذمها الله سبحانه وشنع عليها وسماها عتوا وعنادا وطغيانا وإفكا وإثما مبينا وخسرانا مبينا وبهتانا، والعدل إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه الكريم، وسنة نبيه الرءوف الرحيم، قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} ) [235] .
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، بعد أن ذكر بعض آيات الموالاة: (فليتأمل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات وليبحث عما قاله المفسرون وأهل العلم في تفسيرها وتأويلها، وينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم فإنه يتبين له - إن وفق وسدد - أنها تتناول من ترك جهادهم وسكت عن عيبهم وألقى إليهم السلم، أو أثنى عليهم، أو فضلهم بالعدل على أهل الإسلام، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، وأحب ظهورهم، فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق قال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} ) [236] .
وقال أيضا: (وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأصل الإسلام نصرة أعداء الله ومعاونتهم والسعي فيما يظهر به دينهم وما هم عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم وعقدة الأخوة والطاعة لهم وما هو دون ذلك من تكثير سوادهم ومساكنتهم ومجامعتهم) [237] .
يتبين لك مما سبق أن الذي أجاز دخول"مجلس الشعب"بقصد تحقيق المصلحة؛ أنه لم يوفق للصواب، لأنه أقدم على شيء محرم، بل أقدم على شرك صريح كما بينا ذلك بالأدلة، بالإضافة إلى المفاسد المحققة التي ذكرناها آنفا، وذلك في مقابل مصلحة مزعومة غير محققة، بل ثبت فشلها بالواقع والتجربة على مدار عشرات السنين.
وقد بينا من قبل أن القرارات في"مجلس الشعب"تكون بالأغلبية، فإذا عرض أمر على"مجلس الشعب"ووافقت الأغلبية التابعة للطاغوت على هذا القرار - مهما كان مخالفا للشرع - ولم توافق عليه القلة من المنتسبين للإسلام؛ فلن يكون لرأي القلة أي قيمة ولا وزن، لأنهم حينما دخلوا هذا المجلس أقروا بالديمقراطية ومبادئها، وأقسموا على احترام الدستور والقانون كما ذكرناه في [المادة: 90] .
فلو عرض على"المجلس الموقر"! مشروع قانون فيه مخالفة صريحة للشرع، ووافقت الأغلبية التابعة للطاغوت، واعترضت القلة وذكروا ما ذكروا من الأدلة من الكتاب والسنة وخطبوا خطبا بليغة ووعظوا الناس مواعظ عظيمة، وقالوا ما شاؤوا، فهل سيغير هذا الكلام من الواقع شيئا؟ كلا، لأن الرأي للأغلبية، وليس للقلة ولا للكتاب والسنة.
ولذلك عندما عرّض مأمون الهضيبي ممثل الإخوان"بمجلس الشعب المصري"ببعض القوانين، قال له رفعت المحجوب رئيس المجلس: (نحن لا نصدر القوانين بهذه الصورة، وأنت تشارك في إصدار القوانين) [238] .
ولكن قد يقول قائل من الإخوان؛ نحن نطمع في الحصول على الأغلبية!
فنقول: إن الطواغيت لن يسمحوا لكم بالحصول على هذه الأغلبية وخلعهم بهذه السهولة.
إن بريق السلطة وحب الشهرة والعظمة والمال يعمي القلوب ويطمس البصائر، فقد قال حسني مبارك: (لن أرشح نفسي لدورة أخرى) ، فهل حدث ذلك؟
ونص الدستور اليمني في [المادة: 111] على أن؛ (مدة رئيس الجمهورية خمس سنوات شمسية، تبدأ من تاريخ أداء اليمين الدستورية، ولا يجوز لأي شخص تولي منصب الرئيس لأكثر من دورتين مدة كل دورة خمس سنوات فقط) ، فهل عمل علي عبد الله صالح بهذه المادة؟
إن الطواغيت لن يتخلوا عن كراسيهم إلا بالقوة، وتجربة الجزائر خير شاهد، فقد أوشكت"جبهة الإنقاذ"على الفوز في الانتخابات، فلما رأى الطواغيت ذلك تدخلوا بالقوة ونزل الجيش إلى الشارع، وألغيت الانتخابات، لأن القوة هي الفيصل والحكم في النهاية، فلابد من التزوير لكي يحصل الطواغيت على الأغلبية، ولابد من إعطاء الاتجاه الإسلامي وبعض المعارضة الأخرى بعض المقاعد في"مجلس الشعب"لكي تتم اللعبة أو الخدعة الديمقراطية.
ونقول للإخوان:
ألم يحدث في مصر كل دورة تزوير علني بالقوة؟ ألم يحدث شراء للأصوات؟ ألم يحدث اعتقالات للدعاة قبل الانتخابات؟ وفي النهاية يعلن الطواغيت عن نجاح الانتخابات ونزاهتها وإجرائها في حرية تامة، فهل أعلن الطواغيت توبتهم من الغش والكذب والخداع والتزوير في الانتخابات؟
فما الذي يدفعكم إلى تكرار التجربة ما داموا مصرين على التزوير والخداع ولماذا تصرون على أن تخوضوا هذه التجربة الفاشلة وتخدعون أنفسكم بأن هذا هو الطريق الصحيح؟ ولماذا تهدرون جهود وطاقات ملايين من الشباب المسلم الذي نحسب أن فيه الخير ويريد الإصلاح في عمل لا فائدة منه ولا يقره الشرع؟
وفي نهاية كلامي عن دخول الانتخابات في أي بلد؛ لابد في البداية من معرفة حكم الحاكم الذي يحكم هذا البلد، وقد بينا ذلك في الكلام على الحاكمية، فإذا كفر الحاكم فلابد من معرفة الوسيلة الشرعية لعزله وتنصيب حاكم مسلم، وإذا ورد طريقة في الشرع فلا يمكن أن نتركها ونلجأ لغيرها لمجرد هوى أو مصلحة مزعومة أو اجتهاد، فلا اجتهاد مع النص كما قال العلماء.
[231] جريدة الشرق الأوسط 11/ 5/1987.
[232] تفسير القرآن العظيم ج1/ 399.
[233] انظر جريدة الحياة 2 ذو الحجة 1415هـ عدد11758، تحت عنوان مبارك يحمل على الإخوان المسلمين ويحذر من سيطرتهم على النقابات.
[234] مجلة العالم 21 حزيران 1986، نقلا عن كتاب حكم الإسلام في الديمقراطية، ص52،53.
[235] كتاب العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، ص246، ط: دار الكتب العلمية بيروت.
[236] الرسائل المفيدة ص61.
[237] الرسائل المفيدة ص64.
[238] جريدة الأهرام المصرية، 16/ 1/1990، ص8.