(وتحققت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله) دعاهم إلى أي شيء؟
قاتلهم على أي شيء؟
على أن يكون الدعاء العبادة أو النداء بيا أو إحدى أخواتها كله لله، وهم جعلوه كله للأصنام أو بعضه وبعضه؟
بعضه وبعضه، فرقوا بين الدعاء، دعوا الله عز وجل ودعوا معه غيره، كذلك ذبحوا لله وذبحوا لمعبوداتهم، وكذلك نذروا لله ونذروا لمعبوداتهم، واستغاثوا بالله واستغاثوا بمعبوداتهم، وصرفوا أنواعًا كثيرة لله عز وجل وصرفوها أيضًا لمعبوداتهم، شَرَّكُوا بينهما في العبادة وقاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن تكون هذه العبادة خالصةً لله عز وجل، لا يَشْرَكَهُ فيه أحدٌ البتة، (محض حق الله) تعالى لا دعاء إلا لله، ولا نذر إلا لله، ولا استعانة إلا بالله، وجميع مفردات العبادة كلها لله جل وعلا.
هذا الذي قاتلهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمشركون في عهده عليه الصلاة والسلام، وفي كل زمان لم يفردوا الله تعالى بالذبح، أو النذر، أو الطواف، أو الدعاء، أو الاستغاثة، بل شَرَّكُوا بينهما، فالوصف هو الوصف، والحال هو الحال، والواقع هو الواقع، حينئذٍ يلزم أن يكون الحكم هو الحكم، إذا كان لا فرق بين الفعل فعل المتأخرين المشركين، وفعل المتقدمين وقاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ قياس المتأخرين على المتقدمين - إذا قلنا من باب القياس - لا من باب دخوله تحت اللفظ، نقول: هذا من أوضح أنواع القياس، أن يقاس المتأخر على المتقدم بجمع ما ذكر.
(وتحققت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم ليكون الدعاء كله لله) لا بعضه لله والبعض الآخر يكون للأصنام، كذلك الذبح كله لله، والنذر كله لله، وهذه كلها عبادات سبق تقريرها في (( الأصول الثلاثة ) )، (والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يُدْخِلْهم في الإسلام) كما سبق، قاتلهم وحكم عليهم بالشرك مع إقرارهم، هل نفعهم إقرارهم بالربوبية؟ لا، لم ينفعهم، إذًا: ليس هذا هو التوحيد الذي يحصل به الابتلاء، وليس هذا هو التوحيد الذي طُلِبَ تحقيقه من العباد، بل هو شيءٌ آخر وهو: إفراد الله تعالى بالعبادة.
(وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم) . (هو الذي أحل دماءهم وأموالهم) لأن حقيقة الشرك ما هو؟ هو قصد الملائكة وجعلها واسطة بينهم وبين الله تعالى، هذا هو الشرك، تسوية غير الخالق بالخالق في ماذا؟ في صرف عبادة له كما تُصْرَف لله تعالى، والشرك هو: واتخاذ النِّدِّ مع الله تعالى، وهؤلاء قد اتخذوا الأنداد من الملائكة والصالحين والأنبياء مع الله تعالى.