إذًا: (قصدهم الملائكة) بالذبح، أو النداء، أو الاستغاثة، أو الاستعانة، نقول: هذا الذي صَيَّرَهُم مشركين مع كونهم مقريين بتوحيد الربوبية لم ينفعهم (وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله) ، (إلى الله) الله هو المقصود أولًا، أرادوا الله تعالى أولًا ثم صرفوا العبادة لغيره جل وعلا، أرادوا شفاعته، (والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم) قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة: 193] . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قال الضحاك عن ابن عباس: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} يعني: لا يكون شِرْك. لا يكون شركٌ والفتنة تطلق ويراد بها الشرك وغيره لكن مراد بالآية هنا بالفتنة الشرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدِّي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، فسروا الفتنة بالشرك، وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} . قال الضحاك عن ابن عباس في هذا الآية قال: يُخْلِصُ التوحيد لله. وقال الحسن، وقتادة، وابن جرير، {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} أن يقال لا إله إلا الله. يعني: لا معبود بحقٍ إلا الله. وقال محمدٌ بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله ليس فيه شرك، ويقلع ما دونه من الأنداد. ثم قال ابن كثير: ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» . يقولون لفظًا دون معنى، دون عملٍ بمقتضاها؟ ... لا. «حتى يقولوا لا إله إلا الله» بألسنتهم ويعتقدون المعنى الذي دلَّتْ عليه ويعملوا بمقتضاها، وهو: تحقيق العبودية لله عز وجل، أن لا يعبد إلا الله قولًا وعملًا واعتقادًا، فالتوحيد اعتقادٌ وقولٌ وعمل، وليس هو اعتقاديٌ فحسب - كما هو الشأن عند الأشاعرة وغيرهم - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسباهم على الله عز وجل» . إذًا: أحل دماءهم وأموالهم بنص القرآن {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] كل مشرك والأصل فيه أنه يُقتل حينئذٍ عرفت ماذا؟
حينئذٍ (عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل) إذا عرفت أنهم أقروا بتوحيد الربوبية وقاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ترك التوحيد، ما هو التوحيد الذي جحدوه وأَبَوْا عن الإقرار به؟