* شبهة كفر المتقدمين بسبب اعتقاد معبوداتهم أولاد الله، والرد عليها.
* شبهة اثبات مكانتهم يستلزم عبادتهم، والرد عليها.
* المفاضلة بين شرك الأولين وشرك المتأخرين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
أما بعد:
وقفنا عند: الشبهة الثامنة، وهي قول المصنف رحمه الله تعالى:
(فإن قال) . يعني: ذلك المجادل، ذلك المشرك (فإن قال: إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة والأنبياء، وإنما كفروا لما قالوا: الملائكة بنات الله) ، (لم يكفروا بدعاء الملائكة والأنبياء) ، لما أُورِدَ على المشرك المتأخر أنه قد توجه بالعبادة بالاستغاثة من الذبح والنذر وإراقة الدماء عند القبور والتوسل بها واللجأ إليها حينئذٍ كما فعل أولئك المتقدمين فحينئذٍ لا بد من التشكيك في سبب كفر المتقدمين، قالوا: إن أولئك الذين نزل فيهم القرآن لم يكفروا من أجل أنهم استغاثوا بغير الله تعالى أو أنهم التجئوا لغير الله تعالى، وإنما السبب في كفرهم وهو سببٌ حقيقي إنهم ادعوا البنوة لله تعالى، فما من معبودٍ اتخذوه حينئذٍ صرفوا له نوعًا من العبادات، طيب. هذا الصرف وهذا اللجأ هل هو السبب في كفرهم والحكم عليهم بالشرك؟ قالوا: لا، كل من اتخذ معبودًا من دون الله صنمًا أو ملكًا أو نبيًّا أو نحو ذلك فإنما كفر لا لكونه دعاه من دون الله واستغاث به، وإنما لكونه اعتقد أنه ابنٌ لله أو بنتٌ لله، وهذا هو سبب الكفر. وهذه شبهةٌ أشبه ما يكون بالافتراء والكذب لأنه ليس لها نص وليس فيها ما يمكن أن يتعلق به من تعلق، فإن قال: إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة. إنهم يعني المتقدمين الذين نزل فيهم القرآن لم يكفروا ولم يحكم الرب جل وعلا [لكونهم خرجوا] [1] بكونهم ليسوا بمسلمين وأنهم مشركون بدعاء الملائكة. - يعني: بسبب دعاء الملائكة أو الأنبياء - ولا بالتوجه والالتجاء إليهم وهذه الأمور جائزة، هذه الأمور جائزة لأنهما ليست بشرك كما سبق أنه قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا ولكن الالتجاء إلى الأموات ليس بشركٍ. إذًا هذه الأمور دعاء الملائكة والأنبياء والتوجه إليهم واللجأ إليهم هذه الأمور جائزة ليست بشركٍ، وإنما كفروا. هذا حصر. يعني: سبب التكفير لهم إنما كفروا بسببٍ واحدٍ وهو لِما قالوا أو (لما قالوا: الملائكة) وهي معبودة من دون الله تعالى توجهوا إليها بنوعٍ من العبادات. هل كفروا لهذا التوجه؟ عندهم: لا، لم يكفروا بهذا، وإنما لكونهم اعتقدوا أن الملائكة بنات الله، والصالحون أبناء الله، والأولياء هم أبناء الله. إذًا الكفر إنما كان هنا لاعتقاد البنوة، فكل من كفر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزل فيه القرآن لا لكونه أشرك بالله تعالى شيئًا البتة، وإنما لكونه اعتقد في ذلك المعبود إما أنه ولدٌ أو ابنٌ لله تعالى، وإما أنه بنتٌ لله تعالى، وهذا ليس عندهم رائحة دليل على ذلك.
(1) سبق.