إذًا مضمون هذه الشبهة وهي الشبهة الثامنة أن شرك المشركين المتقدمين لم يكن للفعل الذي وقع من المتأخرين وهو التوسل إلى الصالحين والالتجاء إليهم ونحو ذلك، وإنما شركهم وقع لأنهم نسبوا أُناسًا إلى الله تعالى بأنهم أبناء الله وبنات لله، كتسمية الملائكة بنات الله، وتسمية عيسى ابن الله، ونحو ذلك. والمتأخرون المشركون المتأخرون لا يسمون الصالحين والأولياء بتلك الأسماء فلا يقولون: عبد القادر بنٌ لله، إذًا مع كونهم قد التجئوا لغير الله تعالى لم يكفروا لأنهم لم يعتقدوا ذلك المعبود أنه ابنٌ لله تعالى. إذًا هذه التسمية لم تكن عند المتأخرين، فالكفار إنما كفروا لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، لا لأنهم يستغيثون بهم ويعبدونهم من دون الله. نقول: هذه الشبهة عليلة، الأمر عقلي بحت افتراء وكذب لأن أولئك إنما كفروا لأجل اعتقاد البنوة فحسب، فكل أولئك الذين حاربهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كفرهم إلا لأجل هذه العلة. كما ذكرنا علةٌ عليلة، ونحن لم نَقُلْ: إن عبد القادر الجيلاني ولا غيره ابن الله، فإذا لم يكن حينئذٍ انتفى في حقنا السبب الذي رُتِّبَ عليه الكفر والشرك في الزمن الأول. إذًا: أولئك الذين كفرهم ... النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لأجل اعتقاد البنوة في كل المعبودات، وهؤلاء المتأخرين مع كونهم صرفوا العبادات كلها أو أكثرها لغير الله تعالى لم يكفروا لأنهم لم يفعلوا كما فعل الأولون باعتقاد البنوة، وهذا أمرٌ فاسد.
فالجواب عن هذه الشبهة العليلة، فالجواب: أن نسبة الولدِ إلى الله تعالى كفرٌ مستقل، لأن الكفر جنس: تحته أفراد أنواع، فتسمية أحدٍ من البشر لأنه ابن الله أو بنتٌ لله كفرٌ مستقل دعوى أن الملائكة بنات الله هذا كفر مستقل منفكٌ عن صرف العبادة لغير الله تعالى، حينئذٍ من اعتقد البنوة في الملائكة أو في عيسى مع الاستغاثة قد وقع عنده نوعان من الكفر.
كفرٌ هو: اعتقاد البنوة.
وكفرٌ هو: استغاثة بغير الله تعالى.
والبحث من أول الكتاب إلى هنا بل في كتب التوحيد كلها في إثبات أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فهو شرك أكبر. إذًا ثبت أنه شرك، وهذا أظهر من أن يثبت لأن يقال بأنه دلَّ عليه كذا وكذا. إذًا الكفر جنس تحته أفراد فتسمية أحد من البشر بأنه ابن الله أو بنت لله كفر مستقل، ودعاء غير الله بالتوسل إليه وسؤاله الشفاعة ونحو ذلك كفر آخر مستقل، فلماذا ينفى هذا مع وجود سببه؟
نقول: هذا من باب التحكم.
إذًا الجواب (أن نسبة الولد إلى الله كفر مستقل) وليست كل الكفر، يعني: لا كفر في الوجود إلا نسبة أو اعتقاد البنوة لله تعالى؟ لا يوجد كفر إلا هذا؟
نقول: لا، وعلى طريقتهم أنه لا كفر إلا مع اعتقاد البنوة، وهذا باطل. إذًا (أن نسبة الولد إلى الله) تعالى (كفر مستقل) نكر كفر ولم يقل: الكفر. لماذا؟ لأنه نوع منه وليس كل الكفر، فليس الكفر محصورًا في ادعاء البنوة لله تعالى، بل هو نوع من أنواع الكفر.
واستدل المصنف على هذا بثلاثة أدلة: