(وسر المسألة) أعاد المصنف لما سبق، (وسر المسألة) يعني: حقيقة المسألة وخالصها السرّ الذي يكتم وجمع أسرار (وسر المسألة) أي: المسألة الأخيرة جواب هذه الشبهة المتأخرة الذي لم يفهم معنى الشرك ونفى عن نفسه الشرك (أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله. فقل له: وما الشرك بالله؛ فسره لي؟) إذا قال: لا أعبد إلا الله. قل له: فسر لي العبادة؟ لا أشرك بالله شيئًا وأنت ترى أنه مشرك الحديث مع من؟ مع المشرك وأنت تراه مشركًا صباح مساء، تقول له: فسر لي ما الشرك. قال: أنا موحد مائة في المائة. نقول: ما هو التوحيد؟ حينئذٍ إما أن يعلم وإما أن لا يعلم، وإن علم إما أن يعلم المعنى الصحيح وإما أن لا يصيب المعنى الصحيح، وهذا هو الثاني، إما أن لا يدري وهذا جاهل، وإما أن يدري ولكنه عنده بعض الحق فحسب، وهذا جاهل جهل مركب أن يحصر الشرك مثلًا في عبادة الأصنام.
إذًا (إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؛ فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل له: وما عبادة الأصنام فسرها لي؟) كأنه يتدرج معه في المعاني، لأن العبرة هنا بالمعنى يعني: المراد الوصول إلى حقيقة الشيء فإذا أطلق لفظًا نفيًا أو إثباتًا حينئذٍ نستفصل ما مرادك بكذا؟ ما مرادك بكذا؟ ... إلى آخره (فإن قال أنا لا أعبد إلا الله فقل: ما معنى عبادة الله فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينته فهو المطلوب) يعني: إن وافق الحق. وهيهات هيهات أن يأتي مشرك ويفسر العبادة بالوجه الصحيح، لا، هذا خطأ ما يأتي به، لكن لو أصاب حينئذٍ قيل: هذا المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يَدَّعِي شيئًا وهو لا يعرفه (وإن فسر ذلك بغير معناه) هذا الثالث (بغير معناه) هذا جاهل جهل مركب (بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله) أو بَيَّنْتَ أنت (له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله) يعني: إذا جهل معنى العبادة أو التوحيد أو الشرك ترجع إلى نصوص الوحيين فتأتي بالمعنى الصحيح فتظهره له في قالب الصحة (بَيَّنْتَ له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلون في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ) .
إذًا اختلاف الزمن لا يدل على اختلاف الأوصاف والأحكام، فما فعله الأوائل ووُجِدَ عند المتأخرين فهو عينه بحذافيره سواء سُمِّيَ بالأسماء السابقة أم لا؟
والله أعلم.
وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.