ليس هو إلا توحيد العبادة - وهذا أمرٌ كما ذكرنا قطعي مجمعٌ عليه بين أهل العلم - حينئذٍ (عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون) فمدار الحكم بالشرك، مدار الحكم بالشرك على الشخص هو صرف شيءٍ من العبادة لغير الله تعالى، وهذا مأخوذٌ من النصوص نصوص الوحيين، ومن حال وواقع المشركين، بانضمام الدلالتين نأخذ أن مدار الحكم بالشرك على الشخص هو إذا صرف شيئًا من أنواع العبودية لغير الله تعالى، فهذه مقدمةٌ مهمةٌ بأن التوحيد هو أعظم الواجبات، وأن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشركٌ قد يحبط عمله - قد للتحقيق - ولو كان من أعلم الناس، ولو كان من أعبد الناس.
إذًا: الخلاصة من ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى أن الشرك إنما وقع من العرب بأناسٍ صالحين، الشرك السابق إنما وقع من العرب بأناسٍ صالحين، وأن الشرك وقع بالآلهة لأجل ماذا؟ لأجل طلب القربى والشفاعة فقط، لا لأنها معبودة استقلالًا وإنما اتخذت وسائط بينهم وبين الله تعالى، لا لأنها مستقلةٌ بشيءٍ من الربوبية، أو الألوهية، ولكنهم عبدوها تبعًا لا استقلالًا، فشركهم ليس في الربوبية، ليس شركهم في الربوبية، وإنما أشركوا في الألوهية، فهي آلهةٌ قطعًا لأن الله تعالى سماها آلهة، وهم اعترفوا أنها آلهة، فمن جهتين:
اعترفوا أنها آلهة {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] .أقرهم الله عز وجل، وإذا أقر الله عز وجل جملةً في القرآن فهي حق، والحق هنا ليس في كونها آلهةً حقًا وإنما في تسميتها آلهة، لأن الإله اسم جنسٍ يُطلق على المعبود بحقٍ أو باطل، فكل من اتخذ معبودًا يعبده سواء كان حقًا أو باطلًا فهو إلهٌ.
ولذلك سبق معنا في دراسة المنطق الرد على المنطقيين في قولهم: أن إله هذا كليٌ.
فمفهوم اشتراك الكلي ... كأسدا وعكسه جزئي
قالوا: هذا مفهومه مُشْتَرَكٌ في الذهن، أما في الخارج فليس له إلا واحد وهو الإله الحق. هذا باطلٌ مردودٌ عليهم، باطل لماذا؟
لأنه في الخارج ليس هو الإله الحق فحسب، بل الله عز وجل سَمَّى تلك الآلهة المعبودات سماها آلهة، فحينئذٍ كل من عبد قبرًا فهو إلهٌ عندهم، كل من عبد صنمًا فهو إلهٌ عندهم، وكذلك إذا عبد الشجر، والحجر فهي آلهةٌ عندهم، فحينئذٍ نقول: في الخارج كما هو الشأن في الذهن له أفرادٌ مشتركة بين الحق والباطل، وكذلك هو في الخارج، وسماها الله تعالى آلهةً وهم اعترفوا بذلك {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} ، إذًا: هذه عقيدة المشركين، ما هي عقيدة المشركين؟
كما نقول: - اعتقاد أهل السنة والجماعة - نقول: اعتقاد المشركين يتلخص في أمور:
الأول: الاعتراف لله تعالى بالخلق والتدبير وسائر أفعاله العامة.
ثانيًا: الاعتراف بأن آلهتهم - معبوداتهم - لا تخلق، ولا ترزق، ولا تنفع، ولا تضر. لا تنفع، ولا تضر، ولا تخلق، ولا ترزق.
ثالثًا: اتخذوها وسائط عند الله تعالى في قضاء الحوائج فصرفوا لها من العبادات التي لا يستحقها إلا الله عز وجل.
أولًا: ماذا؟ اعتراف لله بالخلق، والرزق، وسائر أفعاله جل وعلا.
ثانيًا: اعترفوا بأن آلهتهم لا تملك ذلك، نفوها، نفوا عنها ملك النفع، والضر، والخلق، والرزق، والتدبير.