لا شك أنه الثاني، حينئذٍ نقول: العالم إذا استحضر الجواب المفصل حينئذٍ لا يعدل عنه إلى المجمل إلا على جهة بيان ما جاء به الشرع، وهو: رد المتشابه إلى المحكم. إذًا فيه عمومان: عموم من جهة المتكلِّم، وعموم من جهة ما يُرَدُّ به من البدع ونحوها.
قيل: إن هذه القاعدة ليس فيها فائدة متعدية. إذا قلنا: بأنه يرد المتشابه إلى المحكم قال بعضهم: ليس فيها فائدة متعدية. يعني: لا ينتفع بها الخصم، إذا أورد شبهةً خاصة وقلت له: هذا متشابه يحتمل فنرده إلى المحكم. حينئذٍ هل حصل جواب تلك الشبهة؟
الجواب: لا، لم يحصل جواب تلك الشبهة وهذا واضح بين، قيل: إن هذه القاعدة ليس لها فائدة متعدية وإنما فائدتها مقصورة على نفس الشخص لأن الهدف من هذه القاعدة التخلص من إيرادات الخصم وفائدتها فائدة دفاعية، فالخصم لا ينتفع بها البتة، فحينئذٍ هل يُسِلَّمُ هذا القول أم لا؟
نقول: قد يُسَلَّم وقد لا يُسَلَّم. إذا أريد بأن الشبهة لا تزول إلا بذكر العلاج الخاص بها فحينئذٍ لا ينتفع بها الخصم من أورد الشبهة إذا لم تزل بهذا الجواب العام حينئذٍ نقول: هو لم ينتفع بها، وإنما استفاد بها المتكلم في دفع تلك الشبهة أو في دفع ذلك الهجوم عليه؟ حينئذٍ نقول: يُسَلَّمُ هذا القول. وأما إذا كان الخصم قد أكثر في رد المتشابه إلى المحكم وعلم أن ما استدل به أنه من المتشابه، وأن ما رُدَّ إليه وهو المحكم - على ما ذكرناه من الأنواع السابقة - وسلم به حينئذٍ نقول: انتفع أو لا؟ لا شك أنه قد انتفع. إذًا لا يقال: بأن هذه القاعدة ليست ذات ثمرة بالنسبة للخصم ولا يُنفى ذلك، يعني: لا يثبت مطلقًا ولا ينفى مطلقًا، وإنما يقال بالتفصيل؛ لأن القضية هنا قضية علاج، قضية معالجة لشبهة ومرض في نفس أو ذهن ذلك الخصم، حينئذٍ إن تأثر بهذا الجواب وعلم أن ما استدل به من المتشابه وكان واجبه أن يرده إلى المحكم حينئذٍ نقول: قد استفاد من هذه القاعدة لأنه سيتلو عليه قوله جل وعلا: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] . وبين طريقة أهل الزيغ وبين طريقة أهل العلم الراسخين في العلم في التعامل مع المتشابه، فإن انتفع بهذه الآية وبهذا الإيراد ورَدَّ المتشابه إلى المحكم وقال: الله أعلم بالمتشابه قد لا أعلم معناه ونحو ذلك، حينئذٍ يكون قد انتفع. إذًا هذا القول ليس على إطلاقه.