ثم قال: (الشبهة هذه شبهة أخرى للمشرك فإن قال: إن هؤلاء الآيات نزلت في من يعبد الأصنام يعني: إذا تلونا عليه الآيات {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا زُلْفَى} قال: هذه في الأصنام {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} هذه في عبادة الأصنام {وَمَن يُدَبِّرُ} هذه في عبادة الأصنام، وهم ما عبدوا أصلًا ما عبدوا أحجار وإنما عبد أولياء صالحين، ففرق كيف تجعل الصالح الولي التقي الصائم القائم تجعله صنمًا، فتلك الآيات كلها التي وردت في القرآن إنما وردت في شأن عباد الأصنام، وهم ما عبد الأصنام، إذًا فرق بين المسألتين، أرادوا أن يجعلوا لهم وصفًا مغاير لوصف السابقين فينفك الحكم عنهم، يعني حيلة، أرادوا أن يجعلوا لهم وصفًا مغاير لوصف المشركين الأولين الذين نزل عليهم الحكم بتكفيرهم وهو أن ثَمَّ فرق بين المعبودات، هم اتجهوا إلى أصنام لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضَرًّا، ثم هذه الأصنام ليست لها جاه عند الله تعالى وليست لها مكانة، وهؤلاء عبدوا الأولياء أنبياء الصالحين وهم لهم جاه ومكانة عند الله عز وجل، ففرق بين الحالين.
إذًا الشبهة الثانية: التي عناها الناظم فإن قال: إن هؤلاء الآيات نزلت في من يعبد الأصنام هو منع الاستدلال بتلك النصوص على حال المشركين المتأخرين، والسبب هو الفرق بين، بين الوصفين أولئك عبد الأصنام والأحجار وليس لها جاه ولا مكانة عند الله وهؤلاء عبدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبدوا عبد القادر وغيره، حينئذٍ فرق بين المحلين، فمحل تلك الآيات شيء، ومحل هذه الأوصاف المتأخرة شيء آخر، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام. كيف تجعلون الصالحين الذين أرواحهم طاهرة مطهرة ومقدسة والله عز وجل يقول: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] ثم يقول: {لَهُمُ الْبُشْرَى} [يونس: 64] تجعلونها مثل الأصنام، أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟
هذا فيه تلبيس، يعني كأنه يقول: أنتم تتنقصون من الأنبياء، إذا قلت النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعْبَد لا يُسْتَغَاث به قال: هذا سوء أدب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أليس كذلك؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصنامًا؟ من يرد على هذه الشبهة؟