إذًا قوله: (ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله) . يعني: لا منهم فلا اسألهم مباشرةً، وإنما أسأل الرب جل وعلا وهؤلاء يرفعون الحوائج والواسطة لله عز وجل. (فأجبه) إذًا عندنا مقدمتان (نحن لا نشرك بالله شيئًا) ثم فسر حقيقة الشرك الذي وقعوا فيه وظن هو ليس بشرك سماه ما سماه (فأجبه بما تقدم) وهو: أن هذا هو الشرك الذي بينه الله عز وجل في كتابه وأرسل الرسل لمحاربة أهله، وأن القرآن من أوله إلى آخره يحكي حال العرب الأوائل وأنهم قد وقعوا في عين ما وقعتَ فيه أنتَ. حينئذٍ إما أن يُسَلِّم وإما أن يكابر، إن كابر فعلى نفسه وإن سَلَّمَ فهو المراد (فأجبه بما تقدم) وهو: أن هذا شرك. (وهو أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُقرِّون بما ذكرت لي، ومُقرِّون أن أوثانهم لا تدبر شيئًا) هذا واضح بين (وإنما أرادوا) ممن قصدوا من الأصنام والأولياء ونحو ذلك من الذبح والاستغاثة والدعاء كل هذا قصدوا ماذا؟ الجاه والشفاعة، وهذا هو حقيقة قوله: (أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله لا بهم) هذا هو حقيقة فعل أولئك المشركين، (واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه) قوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . هذا فيه حصر {مَا نَعْبُدُهُمْ} نفي العبادة أولًا فيه إثبات أن ما فعلوه مع الأصنام من الذبح والاستغاثة والدعاء أنه عبادة، إذًا أقروا بصرف عبادة لغير الله، طيب لماذا صرفتم تلك العبادة لغير الله؟ قالوا: من أجل التقريب والزلفى عند الله عز وجل، وهذا عين ما ذكرت، كذلك قوله: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] . تعالى وتذكر له من النصوص الواردة في بيان حال العرب الذين بُعِثَ فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومما يُنَبَّهُ عليه أن أكثر من يورد الشبه في مقام الشرك إما لأنه لم يفهم التوحيد من أصله حينئذٍ وقع في نقيضه لأنه لازم له، وإما أنه لم يفهم حال المشركين الذين بُعِثَ فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك أوردوا لما قيل لهم قول المشركين {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} وقعوا في الشبه الثانية وهي: أن هذه الآيات نزلت فيمن عبد الأصنام. ما كأنهم قرؤوا القرآن البتة، أولئك المشركين الذين كفرهم الله عز وجل وأُمِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله. ما حالهم؟ قالوا: هؤلاء عبدوا الأصنام. وهم ماذا عبدوا أولئك المتأخرون؟ عبدوا الصالحين عبدوا عبد القادر الجيلاني، عبدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حينئذٍ فرق بين الأصنام وبين الصالحين الأموات، هذا فرق بينهما، لأن تلك الآيات الواردة التي تستدلون بها على أن هذا الذي وقعنا فيه أنه شرك أكبر وأنه هو حال المشركين الأوائل، أولئك إنما عبدوا الأصنام، فكل آية فيها {مَا نَعْبُدُهُمْ} قالوا: المراد به الأصنام. إذًا منع الاستدلال بتلك الآيات على إثبات أن [ما فعله أولئك المشركين] [1]
(1) سبق ..