( {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ} ) قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبيُّ: كالسحاب. وظلل جمع ظلة شَبَّهَ بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج وهو واحدٌ كالظلل وهي جمع لأن الموج يأتي منه شيءٌ بعد شيء، (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ] }) أي: عدلٌ موفٍ في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه. هذه آيات وغيرها كثير أوردها المصنف لبيان أن الله عز وجل حكى في كتابه عن المشركين الذين نزل فيهم القرآن أنهم لم يكونوا مشركين مطلقًا، وإنما كانوا في حال الرخاء يُشركون، وفي حال الشدة يُخلصون له الدين.
قال معلقًا الشيخ رحمه الله: (فمن فهم هذه المسألة التي وَضَّحَهَا الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء) . (يدعون الله ويدعون غيره) يعني شَرَّكُوا في العبادة كما سبق معنا في أول الكتاب، (وأما في الشدة والخوف فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم) يعني: معبوداتهم يتركونها، (تبين له) يعني: من فهم هذه المسألة (تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين) ، لأن المتأخرين لا فرق بينهم بين الرخاء والشدة في كل وقتٍ سواء كان في اضطرار أو في غيره لا يدعو إلا ذلك المعبود، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له، ولا يستغيث إلا به، (ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟) ، (من يفهم) الفهم إدراك معنى الكلام، ... (قلبه) هنا أسند الفهم إلى القلب لأنه هو الأصل في العلم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] إذًا: أسند الفهم هنا إلى القلب، (ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة) السابقة وهي التفريق بين المشركين المتقدمين والمتأخرين (فهمًا راسخًا) ثابتًا (والله المستعان.) كأنه يرى أن كثير لا يسلم له بهذا التفريق.
والأمر الثاني، إذًا: شرك المتقدمين أخف لماذا؟
لأنهم يفرقون بين الحالين، وأما المتأخرون فلا.